فهرس الكتاب

الصفحة 700 من 773

ومرهبة أيضًا من ركوب الغرور والجحود والتباهي الممقوت، ومرهبة كذلك من الغفلة عن الآخرة وما فيها، ومن الإغراق في لهو الدنيا وأعراضها الذاهبة.

أيها المسلمون، فحوى هذه القصة وحديثها عن قضية المال ونظرة الناس إليه، وفيها نموذج للغني البطر الذي غرق في النعمة وسكر فيها ونسي المنعم عليه بها، وفيها تعريج للحديث عن تشوف الناس واستشرافهم إلى النعمة التي يرفل بها قارون، ثم العظة ببيان الخاتمة السيئة للمغرور بنعمة الله ورجوع الناس إلى رشدهم بعد أن سباه منظر قارون في فخره وبطره.

تبدأ القصة بذكر اسم الرجل المغرور وانتسابه إلى قوم موسى، وبيان معصيته الكبرى بين قومه، وقيام بعض النصحة منهم بنصحه لعله يعود عن غيه وبغيه بعد أن طمس الأشر والبطر رؤية الحقيقة عنده.

فقال تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ 76} .

عباد الله، إن المال هبة من الله تعالى يبسطه على من يشاء ويقدره على من يشاء، وكل ذلك بعلم وحكمة العليم الخبير. قال تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى 27] . وليس للعباد مع هذا التقدير والقسمة إلا الرضا والتسليم من غير تسخط وتضجر؛ لأنه قدر العليم الخبير. فمن رضي فله الرضا ومن سخط فعليه السخط.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس) [1] .

لكن هذا الرضا بالفقر-لمن قدر عليه رزقه- لا يعني البعد عن أسباب الغنى التي بمقدور الإنسان الصالح تحصيلها؛ لأن الإسلام لا يحبذ لأهله أن يعيشوا فقراء وهم بمقدورهم أن يصيروا أغنياء غنى لا يطغيهم ولا يلهيهم.

فالغنى لا يذم لذاته، إنما يذم الأغنياء الذين صرفوا هذه النعمة إلى ما لا ينبغي. ولهذا رغب الإسلام المسلمين في تحصيل الرزق والبحث عنه في مظانه المشروعة، ومدح الأغنياء الصالحين الذي استثمروا هذا الخير في سبل الخير.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-في عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي كان له اليد الطولى في تجهيز جيش العسرة-: (ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين) [2] .

(1) رواه أحمد والترمذي والبيهقي، وهو حسن.

(2) رواه أحمد والترمذي، وهو حسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت