فهرس الكتاب

الصفحة 701 من 773

عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: بعث إلي النبي صلى الله عليه وسلم فأمرني أن آخذ علي ثيابي وسلاحي، ثم آتيه، ففعلتْ، فأتيته وهو يتوضأ، فصعد إليّ البصر ثم طأطأ، ثم قال: (يا عمرو، إني أريد أن أبعثك على جيش، فيغنمُك الله وأرغب لك رغبة من المال صالحة) . قلت: إني لم أُسلم رغبةً في المال، إنما أسلمتُ رغبة في الإسلام فأكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: (يا عمرو، نعم المال الصالح للمرء الصالح) [1] .

وقد أباح ديننا الحنيف كثيرًا من أنواع البيوع والمعاملات المالية التي يكثر فيها المال وينمو، وجعل المعاملات المحرمة في نطاق محدود وإطار ضيق.

وشرع كذلك الأسباب التي يزداد بها المال ويزكو كالزكاة والصدقة، خلافًا لما يظنه البخلاء أن الزكاة والصدقة تنقصان المال.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما نقص مال عبد من صدقة) [2] .

أيها المسلمون، إن المال حينما يميل بصاحبه من الشكر إلى الجحود، ومن التواضع إلى الغرور، ومن اكتسابه من الوجوه المباحة وإنفاقه في الجهات المشروعة إلى أخذه من الطرق المحرمة وبذله في السبل المحظورة إذا كان الأمر كذلك فهذا هو الذي ذمه الشرع في هذه المسألة، وهو الغالب على النفوس البشرية.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الأكثرون هم الأسفلون يوم القيامة، إلا من قال بالمال هكذا و هكذا، و كسبه من طيب) [3] .

في هذه القصة يتعالى قارون على قومه بكثرة ماله فيبدو عليه الزهو وازدراء الناس حتى أعرض عن الإسلام لموسى عليه السلام، وأبى قبول نصيحة الناصحين وركب مركب الغرور الذي ساقه إلى الخسف والهلاك.

وهكذا يفعل المال بصاحبه إذا لم يشكر العطية ويعرف حق معطيها، فعند ذلك تؤوب النعمة إلى نقمة والمنحة إلى محنة، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.

ليس قارون وحده من صيّر نعمة الله عليه نقمة على نفسه، بل هناك أشرون لا يحصون، وفي القرآن الكريم ذكر الله أمثلة عن بعضهم، ففي سورة النحل يضرب الله المثل بقرية أنعم الله عليها بالأمن ورغد العيش، لكنها كفرت ذلك، فأبدلها الله عن تلك النعمة جوعًا وخوفًا ملازمين لها ملازمة الثوبِ الجسد، يقول تعالى: وَضَرَبَ اللّهُ

(1) رواه البخاري في الأدب المفرد، وهو صحيح.

(2) رواه أحمد والترمذي، وهو صحيح.

(3) رواه ابن حبان وابن ماجه، وهو حسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت