فمن المال المتبقي بعد أداء حق الله تعالى ما ينفقه المسلم على نفسه وأولاده وأهله في المباحات من غير إسراف. ولذلك قال تعالى هنا: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ .. } [القصص 77] .
معشر المسلمين، في هذه القصة ذكر سبب من أسباب الفساد في الأرض وهو المال، فالمال إذا لم يسخر في المباح والخير كان من أكبر دواعي الفساد الخاصة والعامة. يقول تعالى هنا: { .. وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ 77} .
وفي هذه القصة يبدو الكبر والغرور مانعًا سميكًا من موانع قبول الحق والاستجابة لداعي الرشاد والهدى. فالنفس المتكبرة أرض صُلبة جدباء لا تقبل غيث النصيحة وكلمة الحق إلا أن يشاء الله، خصوصًا إذا كان الناصح أقل شأنًا ومالًا وقدرًا من المنصوح. فرفضُ الحق وعدم الإذعان له صفةٌ من صفات المتكبرين، وبهذا عرّف رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبر بهذا فقال: (الكبر بطر الحق وغمط الناس) [1] . فقارون لما سمع النصيحة من ناس لم يصلوا مرتبته ردها وأبدى استحقاقه الذاتي للنعمة، ولم يعتبر بما جرى لأسلافه من أمثاله. فقال: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ 78} .
وفي هذه القصة-أيها الأحبة- شنشنة تعرف عن أخزم وعادة تظهر على أهل الكبر هي أنهم يحبون الظهور بمظاهر العلو وسرقة الأنظار إليهم، ظانين أنهم يزدادون جلالًا وجمالًا، والحقيقة أن الأمر على خلاف ظنهم؛ فإنهم إذا كانوا ينظرون إلى الناس من الأفق البعيد ويرونهم صغارًا في أعينهم فالناس كذلك إليهم ينظرون، فالطائر الكبير المحلق في السماء يرى تحته الأشياء صغيرة جدًا، وكذلك الناس يرونه في السماء نقطة دقيقة وقد لا يرونه لصغره.
غير أن ضعاف النفوس وذوي النظرة الدونية يرون ذاك الازدهاء وذلك الشموخ الفارغ للغني المتكبر حقيقة فيتمنون ذلك الحظ المنتفخ! مع أن الحقيقة تقول لهم: إن المظاهر لا تحكي الضمائر غالبًا فانتفاخ الطبل لا يعبر عن امتلاء جوفه؛ ولهذا قال تعالى عن المنافقين: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ .. } [المنافقون 4] .
وفي هذه القصة قال تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ 79} .
(1) رواه مسلم.