فهرس الكتاب

الصفحة 722 من 773

لقد استعملت الفئة الكافرة ضد الفئة المؤمنة أنواعًا من الحروب منها: النفسية والإعلامية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية الفردية.

وفي ظل هذه الأزمة الكبيرة التي تفرعت أطرافها مع أزمة قلة المؤمنين وضعفهم وعجزهم شرع رسول الله بعلاج الأزمة علاج الطبيب البصير الخبير، فكان أول دواء استعمل أن أمر رسول الله أصحابه بالصبر وتحمل إيذاء المشركين المتنوع؛ لأن الصبر عاقبته حميدة، ولن تُنال الرغائب وتبلغ الآمال والمطالب إلا بعبور جسر الصبر. قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة 24] .

عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة قلنا: له ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا؟ قال: (كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه. ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون) [1] .

ويمر عليه الصلاة والسلام على آل ياسر رضي الله عنهم وهم يعذبون فيقول لهم مسليًا ومبشرًا: (صبرًا آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة) .

لقد ظهرت حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الدواء الناجع وهو يأمر الصحابة به حينما يمر بهم وهم يعذبون، فلو أنه أمرهم بالمواجهة العسكرية في هذه الظروف غير المتكافئة لكان في ذلك الاستئصال والفناء.

ومن الأدوية التي عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الحال: التربية الإيمانية، فلقد غرس في نفوس الصحابة الكرام الإيمانَ بالله واليوم الآخر وحب الجنة وأسقاهم نمير القرآن العذب، وبين لهم أن ما عند الله خير من الدنيا وما فيها، فلما تغلغلت هذه المعاني في نفوسهم هان عليهم في سبيله كل عناء، وتحملوا في طريقه كل بلاء، ولو وجُلدت الأجساد وقطعت الرقاب؛ ولذلك لم يرتد أحد منهم سخطة لدينه؛ لأن الإيمان خالطت بشاشته القلوب.

فبلال رضي الله عنه الذي تحمل حر بطحاء مكة وأحجارها المحماة التي بسطت على بدنه الطاهر لم يقبل مساوماتهم وعروضاتهم، ولم يأبه بتهديداتهم ليرفع عن

(1) رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت