نفسه العذاب؛ لأنه مزج حر التعذيب وشدته ببرودة الإيمان ولذته فغلبت برودةُ الإيمان ولذته حرارة العذاب وشدته فثبت على الحق.
إن أمة الإسلام اليوم تحتاج إلى تربية إيمانية أحوج من الطعام والشراب، حتى يشعر المسلم بوجوده ووظيفته في هذ الحياة، وحتى يستطيع التغلب على أزماته ومعاناته. فأين معاني الإيمان وتمثل هدي القرآن في حياتنا اليومية؟ ما نصيب الدين في قلوبنا وتفكيرنا وعملنا وآمالنا؟. إن من لم يترب إيمانيًا لن يستطيع الصمود الصحيح أمام الأزمات.
عباد الله، وكان من الوسائل التي استعملها رسول الله صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الأزمات: وسيلة التفاؤل وهو النظر المشرق إلى الآفاق المضيئة التي تنتظر الحق وأهله بعد ذهاب ليالي البلاء.
لقد نزع رسول الله من نفوس الصحابة عروقَ اليأس والقنوط وزرع فيها الاستبشار بالمستقبل الوضاء، ولم يكن ذلك في زمن السراء بل كان في عنفوان الضراء وشدتها.
كما في قوله السابق لخباب: (والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون) .
قال البراء: لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول، فاشتكينا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءة وأخذ المعول فقال: (بسم الله) ، ثم ضرب ضربة، وقال: (الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر قصورها الحمر الساعة) ، ثم ضرب الثانية فقطع آخر، فقال: (الله أكبر، أعطيت فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن) ، ثم ضرب الثالثة، فقال: (بسم الله) ، فقطع بقية الحجر، فقال: (الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني) .
إن تعدد الأزمات التي تمر بالمسلمين وتعقدها تحتم عليهم المزيد من التفاؤل والاستبشار؛ فإن تكاثف الشدة يؤذن بالانفراج، واشتداد الظلام يبشر بالانبلاج، وليس هذا من المثالية، بل من الواقعية؛ فالتاريخ حافل بالشواهد.
إن رسول الله-مع عمله بالوسائل السابقة لعلاج الأزمة- قد عمل بوسائل أخرى ممكنة تخفف وطأة البلاء فكان من ذلك: الإذن بالهجرة إلى الحبشة أولًا من بعض الصحابة، ثم هاجر بنفسه مع بقية الصحابة بعد ذلك إلى المدينة. وهذا العلاج كانت له ظروفه