الجغرافية الخاصة، لكنه كان علاجًا ناجعًا في تلك الفترة الحرجة للأزمة التي دامت عدة سنوات.
عباد الله، ومن تعامل رسول الله مع الأزمة: استعمال الثقة بالله تعالى وإحسان الظن به؛ لأن الله مع عبده المؤمن بحمايته ونصره وتأييده بقدر ثقته وحسن ظنه به.
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (إن الله جل وعلا يقول: أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن خيرًا فله، وإن ظن شرًا فله) [1] .
لقد خرج رسول الله من مكة مطاردًا وقد اتفقت كلمة قريش على قتله وتصفيته، أو الإتيان به حيًا أو ميتًا بعد أن انفلت من بين أيديهم إلى غار ثور الذي كمن فيه حتى ينقطع الطلب الذي قد وصل إلى باب الغار، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الكلمة الواثقة المطمئنة: (يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما) [2] .
قال تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة 40] .
أمة الإسلام، إننا بحاجة ماسة إلى تقوية الثقة بالله تعالى في نفوسنا وتثبيت اليقين في قلوبنا بقرب الفرج وتولي ظلام الأزمات. وما تتابعُ الفتن والبلايا إلا للتمحيص والتخليص وتمييز الصفوف وكشف الوجوه الخادعة على حقيقيتها. فالمحن هي التي تميز الواثقين من بين الزائفين وتُري الناس الصادقين والكاذبين. قال تعالى تعليقًا عما حدث في غزوة أحد: قال تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ 139} إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ {140} وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ {141} أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ {142} [آل عمران 139 - 142] . وقال: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت 2 - 3] .
إن الثقة بالله تعالى وحسن الظن به تجعل المسلم يعتقد اعتقادًا جازمًا أن الله أرحم به من نفسه، وأحرص منه على مصلحته، وأعلم منه بما ينفعه، وأقدر منه على الدفاع
(1) رواه أحمد وابن حبان، وهو صحيح.
(2) متفق عليه.