فهرس الكتاب
غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة الا بك) [1] .
انظروا -أيها الأحبة- إلى هذه الكلمات النيرات ما أجملها، وفي معاني هذا الدعاء ما أعمقها، إنها حروف مشرقة برقت من قلب اكتوى بنار الحزن على إدبار الناس عن الإقبال على الإسلام، لكنها تفوح بطيب الاستقرار الروحي باللجوء إلى الرب تبارك وتعالى.
وفي طريق رجوعه بعث الله إليه البشائر المطمئنة، فقد أسلم له نفر من الجن حينما أعرض الإنس، قال تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} {قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأحقاف 29 - 31] .
فأين نحن اليوم من الدعاء الخالص في خضم هذه الأزمات؟ فالدعاء دواء ناجع تستدفع به المشكلات، وتستنزل به الرحمات، وتحمى به الأنفس والحرمات، ولكنه يحتاج إلى إقبال وإخلاص ومداومة وصبر ويقين بلا استبطاء.
إن الأمور إذا انسدت مسالكها ... فالصبر يفتح منها كل ما اُرتتجا
أخلقْ بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمنِ القرع للأبواب أن يلجا
أيها المسلمون، ومن الوسائل أيضًا: العمل الجاد والاستعداد المقدور عليه، فرسول الله وأصحابه لم يكونوا -عندما تنزل بهم الملمات- قاعدين ينتظرون الفرج السماوي بدون أسباب وعمل دنيوي يقومون به. بل قاموا بما يستطيعون من الأعمال في مواجهة الشدة؛ ففي مكة قوى رسول الله في قلوب الصحابة عود الإيمان حتى صلُب فكان الواحد منهم بأمة، ودعاهم إلى الحركة بالدين حتى يزداد عدد المسلمين فيكونوا قوة أمام الكافرين. فلما هاجر استوفى رسول الله بقية جوانب الاستعداد المادي والمعنوي التي لم تكن ظروف مكة ملائمة لفعل ذلك، فكون الدولة الإسلامية الأولى التي بدأت تقوى شوكتها آنذاك يومًا بعد يوم. وفي غزوة الأحزاب لما انحدر الكفار مشركوهم وكتابيوهم كالسيل الهادر لاستئصال شأفة المسلمين سارع رسول الله
(1) رواه الطبراني، وقال الهيثمي: فيه ابن اسحاق وهو مدلس وبقية رجاله ثقات.