فهرس الكتاب

الصفحة 730 من 773

وأصحابه إلى العمل الجاد لصد هذا العدوان الغاشم فقاموا بحفر الخندق الذي كان من أسباب حماية الله لهم من بطش الكفار المعتدين.

فيا أيها المسلمون، إن سرطان الأزمات الذي مازال يرهق جسد الأمة ويسيح فيه متسعًا إذا لم يتدارك بعمل شامل في جميع الأصعدة لإيقافه فإنه سيقضي على مقدرات الأمة ويضعها في الحضيض فيصعب الانتشال بعد ذلك.

أمة الإسلام، ومن الوسائل التي استعملها رسول الله أيضًا في صد تيار الأزمة: الحيطة والحذر، وهذا مبدأ صحيح يدعو إليه التفكير الصائب والشرع الحنيف. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا} [النساء 71] .

وقد عمل رسول الله بهذه الوسيلة في أحوال كثيرة، فمن ذلك: الإسرار بالدعوة في مكة مدة ثلاث سنين حتى تكونت القاعدة الإيمانية التي ينطلق بها بعد ذلك لمواجهة الكفر والكافرين، ومن ذلك: التورية في غزواته، فكان لا يغزو غزوة إلا ورّى بغيرها، ومنها أنه لما قدم المدينة كان لا يبيت إلا محروسًا.

وإن الناظر في أزمات المسلمين اليوم يرى أن من بين أسبابها: قلة الحيطة والحذر من أعدائها، بل إنها سلمت لهم الزمام لقيادة شؤونها والاطلاع على أسرارها، فصار حالها كالذي سلم غنمه للذئاب لتحافظ عليها من الكلاب.

لا يلام الذئب في عدوانه ... إن يك الراعي عدو الغنم

ومن الوسائل كذلك: الحكمة والحلم والنظرة البعيدة الثاقبة للأمور خاصة في الأزمات الداخلية التي تنخر الأمة من الداخل. فقد عانى المسلمون الأُول ضرر المنافقين الذين كانوا يعملون على الإجهاز على الإسلام أو إصابته في مقتل بوسائل متعددة، فقد كان من بين المنافقين: عبد الله بن أبي ابن سلول الذي تبدى نفاقه علنًا قبيل غزوة أحد برجوعه بثلث الجيش، وكذلك ما فعله في غزوة المريسيع، وبقوله في المهاجرين:"أو قد فعلوها! قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا؟ والله ما نحن وهم إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل".

هذه المواقف السلولية أثارت حفيظة بعض الصحابة الأغيار فاستأذنوا رسول الله في قتل ابن أبي، فقال رسول الله: (دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) [1] .

وبعد هاتين الحادثتين وحلم رسول الله عليه فيما مضى افتضح ابن أبي افتضاحًا لا يستطيع ستره بعد ذلك، فكان إذا تحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويعنفونه. فقال

(1) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت