فهرس الكتاب

الصفحة 732 من 773

قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة 216] .

فقد كثر الإيذاء للمسلمين في مكة ولم يكن بوسعهم المواجهة العسكرية فاتخذ رسول الله الحرب النفسية، فقد كان رسول الله حول الكعبة يومًا يطوف فجعل المشركون يغمزونه ببعض ما يقول فعرف ذلك في وجهه، ثم مضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها فعرف ذلك في وجهه، ثم مضى ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها فقال: (تسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح) ، فأخذت القومَ كلمتُه حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفأه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، انصرف راشدًا فوالله ما كنت جهولا، فانصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم) [1] . فهذه الكلمة وقعت في أنفسهم موقعًا عظيمًا.

وكان أبي بن خلف يتوعد رسول الله بالقتل، فقال رسول الله: (بل أنا أقتلك إن شاء الله) ، فلما طعن رسول الله أبيًا يوم أحد وكان خدشًا غير كبير كان أبي: يقول: إنه قد قال لي بمكة: أنا أقتلك، فو الله لو بصق علي لقتلني.

ومن الحرب الإعلامية التي استخدمها رسول الله وأصحابه ضد الكفار: ما حصل يوم الأحزاب من نعيم بن مسعود رضي الله عنه، حيث قال: يا رسول الله، مرني بما شئت، فقال رسول الله: (إنما أنت رجل واحد، فخذل عنا ما استطعت؛ فإن الحرب خدعة) ، فقام نعيم بشن حرب إعلامية ناجحة واسعة النطاق ألقت في صفوف المشركين الفرقة والتخاذل حتى كانت من أسباب انقشاع جمعهم عن المدينة.

وأما الحرب الاقتصادية فإن ثمامة بن أثال رضي الله عنه لما أسلم وذهب إلى مكة للعمرة قال لقريش:"ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكانت يمامة ريف مكة، فانصرف إلى بلاده، ومنع الحمل إلى مكة، حتى جهدت قريش، وكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة يخلي إليه حمل الطعام، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم". رحمة بهم.

وأما الحرب العسكرية فكانت هي الخيار الوحيد أمام رسول الله حيال الأزمة التي يقوم الكفار فيها ضد المسلمين؛ لأن البداءة كانت منهم والاعتداء حصل من قبلهم. فقد خاض رسول الله مع المشركين غزوة بدر وأحد والأحزاب وفتح مكة وحنين إضافة

(1) رواه أحمد، وهو حسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت