فهرس الكتاب

الصفحة 752 من 773

{وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} فقال: هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة، وقال سفيان بن عيينة: كل صاحب بدعة ذليل"."

ومن الكفرة الأصلاء الذين كتب الله عليهم الذل أينما ثقفوا: اليهود، وإن علوا وقتًا فإن الذل ينتظرهم عقبه، قال تعالى عنهم: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ} [البقرة 61] .

وفي الآخرة يبعث الله من حاده أذلة صاغرين، كما قال تعالى: {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ} [الشورى 45] .

أيها المسلمون، إن عزة المؤمن لا تعني البطش والتعدي والظلم، ولكنها تعني التواضع للمؤمنين والغلظة بالحق على الكافرين. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة 54] . فعزة النفس غير الكبر إذ العزة معرفة الإنسان حقيقة نفسه، والكبر جهل الإنسان ذلك، قيل للحسن بن علي رضي الله عنهما:"إن الناس يزعمون أن فيك كبرًا أو تيهًا، فقال: ليس بتيه، ولكن عزة المسلم، ثم تلا قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون 8] ".

أيها الناس، إن العزة كنز ثمين يطلبه أصحاب النفوس الشريفة، ويبذلون في سبيله كل غال ونفيس، ولو كان في حصولها بذل المهج:

عش عزيزًا أو مت وأنت كريم ... بين طعن القنا وخفق البنود

والناس مختلفون في منازل العزة وأسبابها: فمنهم من يراها بالجاه، ومنهم من يراها بالنسب، أو بالمال، أو كثرة الأولاد، أو القوة والسيطرة على الآخرين. وهذه الجهات وإن كانت من العز إلا أنها في الحقيقة عزة ناقصة غير تامة وفانية غير باقية، فللدنيا أمواج متلاطمة تقلب الأحوال.

والعاقل-عباد الله- لا ينبغي له أن يفخر بعزة سوى عزة تامة باقية وتلك هي العزة بالإسلام والإيمان اعتقادًا وعملًا. فالعزة بالإسلام لا تكون عزة حقيقة تامة حتى يتمثل المسلم الإسلام في أقواله وأعماله، قال عمر رضي الله عنه:"إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت