ثانيًا: أن تكون الوصية بالثلث فما دونه؛ حتى لا يكون في الوصية هضم لحق الورثة، وما زاد على الثلث فهو راجع إلى إجازة الورثة، فإن رضوا نفذت الوصية وإلا نفذت بقدر الثلث.
ففي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: (عادني النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت فقلت: يا رسول الله، بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: لا، قلت: فالثلث؟ قال: والثلث كثير. إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك) .
مع أن الأولى أن لا يوصي المسلم بالثلث، بل بأقل من ذلك.
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع؛ فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: (الثلث والثلث كثير) [1] .
هذا في حق من له وارث من أصحاب الفروض أو العصبات، أما من ليس له وارث من أصحاب الفروض أو العصبات فيجوز له أن يوصي بماله كله في أبواب الخير.
ومن التنبيهات المهمة: أن لا يكون في الوصية ضرر أو تعمد إضرار بالوارثين؛ لأن الله تعالى يقول: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} [النساء 12] .قال ابن عباس رضي الله عنهما:"الإضرار في الوصية من الكبائر".
ومن الإضرار: أن يميل بعض الآباء أو الأمهات إلى بعض الأبناء أو البنات دون بعض فيتحيل في الوصية له فيوصي لأولاد ذلك الابن أو تلك البنت. وهذه الحيلة غير جائزة شرعًا، قال رسول الله صلى عليه وسلم: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) [2] .
ومن التنبيهات: أن على الموصي أن يعلم أن الوصية للأجانب إنما تستحب في حق من له ماله كثير وله ورثة غير محتاجين، أما من كان ذا مال قليل وله ورثة محتاجون فالوصية قد تكره في حقه؛ لأنه عدل عن الأقربين إلى غيرهم، والرسول عليه الصلاة والسلام قد قال لسعد: (إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم
(1) رواه مسلم.
(2) متفق عليه.