فهرس الكتاب

الصفحة 767 من 773

عباد الله، إن الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان وعقيدة من عقائد الإسلام، لكن الذي حدث ضعف هذا الركن العظيم حيث أصبح عقيدة لا يتبعها عمل، وسبب هذا الضعف: الجهل بالله وبدينه، فمن جهل عظمة ربه وجلاله واطلاعه عليه لم يستعد للقائه، ومن جهل دينه فلم يعرف متطلبات هذا الإيمان وكيفية تحقيقه وسبل غرسه في النفس عاش بعيداًَ عن العمل لذلك اليوم. وأصبح همه ووقته وجهده مصروفًا في خدمة حياته الدنيا. ألا يتأمل في قوله تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا 16} وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى {17} [الأعلى 16 - 17] ، وقوله: {قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء 77] .

إن الحرص على الدنيا-يا عباد الله- قد صار جاثمًا على القلوب فأنسى الإنسان آخرته وجعله وقفًا على رغباته وشهواته. حتى أسرف في الانشغال بكسبها، وتعمق في الاعتناء بلهوها، وأكثر من متابعة مشكلاتها وأحداثها من غير حاجة، ولم يكتف منها بما يكفيه ويعنيه بل صار مهتمًا بما يلهيه وقد يطغيه.

وما هكذا يعيش محب الآخرة، وما لهذا خُلق، وليس هذا عيشه الذي يستحق هذا الكد والجد. إنما هو لغيره ممن قال الله فيهم: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم 7] .

لقد خشي رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته أن يؤول حالها إلى هذا التنافس والانشغال بالدنيا عن الآخرة بالدنيا عن الآخرة، وقد وقع ما خشيه.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتلهيكم كما ألهتهم) [1] .

وإذا أردنا أن نعرف مقدار الحرص على الدنيا والاهتمام بها في حياتنا فلنسأل أنفسنا هذا السؤال: كم نصيب الآخرة من وقتنا في اليوم والليلة، وما مقدار الحرص على الآخرة بجانب الحرص على الدنيا؟ فليجب كل إنسان عنه في حاله وأعماله.

أيها المسلمون، لا بد أن نستيقظ ونصحو ونقوي إيماننا باليوم الآخر، فنفكر في حقيقة كل من الدنيا والآخرة لنختار لأنفسنا خير الدارين وأبقاهما وأعلاهما وأوفاهما وأزكاهما وأهناهما. قال تعالى: {وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوا أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [يوسف 109] .

(1) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت