والجدار الذي تتكسر عليه معاول الرذيلة, هو المدرسة الأولى التي يتخرج منها المسلم عالمًا يفتح القلوب المقفلة والعقول المغلقة, بمفتاح العلم والهداية. ويتخرج منه المسلم قائدًا عظيمًا يفتح أبواب الكفر الموصدة، ويزيل عن طريق الناس الأشواك المؤذية، كي يتبعوا الحق والإيمان, ويتخرج منه المسلم حاكمًا يعرف عظم مسؤوليته، ووجوب أداء أمانته أمام ربه في حق نفسه ورعيته.
ويتخرج منه المسلم قاضيًا منصفًا يعلم الحق ويقضي به، لا يخاف في الله لومة لائم، ويتخرج منه المسلم يحمل رسالة الحب والنفع للناس في أي مجال يعمل فيه، وفي أي مسؤولية ألقيت على كاهله، ويتخرج منه المسلم عارفًا مِمَ جاء، ولِم جاء، وكيف يعيش، وإلى أين يسير ويصير، فيؤدي حقوق خالقه, وحقوق خلق الله، ويصلح دينه ودنياه.
عباد الله، إن للمسجد في الإسلام دورًا كبيرًا وأهمية بالغة في الحياة؛ فمنذ أن تشرفت طيبة الطيبة بأقدام النبي الطيب صلى الله عليه وسلم تطأ عليها قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعمال جليلة؛ لإصلاح النفوس و المجتمع، وحفظ كيان الأمة، كان من أهمها: بناء المسجد، فقد روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المدينة راكبًا راحلته فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين وكان مربدًا للتمر لسهل وسهيل غلامين يتيمين في حجر سعد بن زرارة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته: (هذا إن شاء الله المنزل) ، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدًا فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما هِبة حتى ابتاعه منهما.
إن إقامة المسجد -معشر المسلمين- من اللبنات المهمة التي يقوم عليها بنيان الإسلام؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما وصل أراد أن يجمع قلوب المسلمين مهاجريهم وأنصاريهم، وأن يذيب روابط الجاهلية التي تفرقهم، فقام بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار, وهذا الجمع والثلة المؤمنة لابد أن يكون لها مكان تلتقي فيه؛ لتتعلم كيف الحياة في الإسلام، ولتوثق الصلة فيما بينها، فأنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم -لأجل هذه الغايات- المسجد.
أيها المسلمون، أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ليكون منهلًا وموردًا لنيل العلوم والمعارف، وتلقي كلامه عليه الصلاة والسلام، ورؤية أفعاله ليكتمل الاقتداء بالأقوال والأفعال، وليكون دارًا للهداية وتعريف الناس بخالقهم، واستقبال وفود الإسلام بعد الكفر والطغيان، ووفود التوبة بعد الإسراف والعصيان، وليكون قاعدة ينطلق منها المجاهدون وتعقد فيها ألوية الحق لتفتح القلوب والبلدان.