وعُمر المسجد ليكون ملاذًا للفقراء والمعوزين من أصحاب الصفة الذين حبسوا أنفسهم على العلم، أو عدموا الكفاية والمأوى، وارتفعت عُمد المسجد ليكون مجلسًا استشاريًا يتشاور فيه المسلمون، ويُدار فيه الرأي لتحصيل مرغوب أو دفع مرهوب. وليصير ملاذًا وموئلًا للمسلمين حينما تدلهم عليهم الخطوب فينادى بـ: الصلاة جامعة، فيتقاطرون عليه ليجدوا الحل والأمن.
أيها المسلمون، مما سبق يتبين أن المسجد لم يُبن للصلاة فحسب وإنما بُني لكل ما من شأنه أن يصلح حال المسلمين روحيًا ونفسيًا واقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا وعسكريًا، في أيام الحرب وأيام السلم. وإن أعداء المسلمين يريدون تحجيم دور المسجد وإقصاءه عن الحياة المختلفة ليكون مقرًا لأداء الصلوات فقط كالكنائس والبيع والصوامع، فينفصل بذلك دوره عن المجتمع وينفصل المجتمع عنه، وهذا لعمر الله إحدى الدواهي والطوام على دين المسلمين ودنياهم.
وانظروا -عباد الله- وتأملوا حال الدول الإسلامية التي استجابت لهذه الدعوة الماكرة ماذا كانت النتيجة؟ أصبحت مساجدها مهجورة غير مأهولة إلا من الشيوخ والعجزة، وبانتهاء الصلاة تغلق الأبواب ولا تفتح إلا عند دخول الصلاة الثانية، وصار المنبر مقيدًا بما يملى عليه، فغابت بذلك رسالة المسجد العامة، وقل اهتمام الناس وحبهم له وضعف إقبالهم عليه ومازال الناس يبتعدون عن دينهم بقدر ابتعادهم عن مساجدهم.
وانقلوا -عباد الله- بصركم وبصيرتكم إلى من عرفوا قيمة المسجد ودوره العظيم في بناء الأجيال وتربية الشعوب عندما جعلوه جهة مقصودة لإصلاح دينهم ودنياهم، وموجهًا لتقويم السلوك المعوج، وتوجيه السالك الضال أو الحائر، كيف غدت مجتمعاتهم؟ وكيف أصبح تمسكهم بالدين الحق وسلوكهم الصراط المستقيم.
وإن المسجد سيظل غصة في حلوق الأعداء، ووجعًا في قلوبهم، وعامل قلق عندهم يوم يؤدي دوره الصحيح الحكيم في توجيه المسلم في مختلف مجالات الحياة؛ ولذلك لا تعجبوا إذا سمعتم بعض أعداء الأمة يقولون: إن المسجد هو ورشة الإرهاب!
أيها المسلمون، إذا كان للمسجد هذه المكانة والأهمية فإن بناءه وإقامته من الأعمال الجليلة، والحسنات الباقية، والنفع العام، والأجر المدخر، والذكر الحسن والعمل المشكور لصاحبه، فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( .. ومن بنى مسجدًا كمفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتًا في الجنة) [1] . وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (إن مما يلحق المؤمنَ من عمله وحسناته بعد موته: علمًا علمه ونشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا
(1) رواه ابن ماجه وابن خزيمة، وهو صحيح.