258 ـ يقول الله تعالى في سورة آل عمران: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ } [ سورة آل عمران: آية 90 ] ، ويقول تعالى في آية أخرى: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا } [ سورة الزمر: آية 53 ] ، فما معنى هاتين الآيتين وكيف نوفق بينهما ؟ وهل معنى الأولى أن هناك ذنوبًا لا تقبل التوبة من فاعلها مهما حاول أم أن إحداهما ناسخة للأخرى أم كيف ذلك ؟
لا تعارض بين الآيتين الكريمتين، لأن الآية الأولى محمولة على المرتد الذي لم يتب، ومات على ردته، فهؤلاء لا تقبل توبتهم لو تابوا عند الموت لقوله تعالى: { وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ } [ سورة النساء: آية 18 ] ، ولقوله تعالى: { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ سورة البقرة: آية 217 ] .
الحاصل أن الآية الأولى هي فيمن ارتد عن الدين، واستمر على ردته ولم يتب إلا عند الموت وعند الغرغرة كما في الحديث ( إن التوبة تقبل ما لم يغرغر ) [ رواه الإمام أحمد في"مسنده" ( 2/132 ) ، ورواه الترمذي في"سننه" ( 9/192 ) ، ورواه ابن ماجه في"سننه" ( 2/1420 ) ، ورواه الحاكم في"مستدركه" ( 4/257 ) ، كلهم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إلا ابن ماجه فهو من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ( كذا في المطبوع ) ] ، وبعض العلماء يحملها على من تكررت ردته فإنه لا تقبل توبته بل يقام عليه حد الردة بكل حال .