وقال الثعلبي أيضًا بإسناده عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"إذا مَاتَ العبدُ قال الملكانِ الموكَّلانِ به: يا ربِّ، ماتَ فلانٌ، وهو أعلم، أفَتأذنُ لنا أن نَصْعَدَ إلى السَّماءِ؟ فيقول الله: سمائي مملوءَةٌ من ملائكتي يسبِّحُونَني ويحمدُونَنِي، فيقولان: أفنُقيم في الأرضِ؟ فيقول: إنَّ أرضي مملوءَة من خليقتي يسبِّحونني، فيقولان: فماذا نَصنَع؟ وأين نكونُ؟ فيقولُ: قُوما على قبرِ عبدي فكبِّراني وهَلِّلاني، واكتُبا ذلك لعبدي إلى يوم القيامة".
وكان سهل بن عبد الله التُّسْتَري يقولْ يَا ملكاي قد طالت صحبتكما لي فاشفعا لي.
ومنهم موكَّل بالشمس، وقد ذكرناه.
ومنهم موكَّل بالقطر والرِّياح والنَّبات. حدثنا أبو القاسم علي بن مسلم المَوْصِلي بإسناده عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ما مِن قَطْرةٍ تَنزلُ من السَّماءِ إلَّا ومعها مَلَكٌ، وما من رِيحٍ تَهبُّ إلَّا ومَعها مَلَكٌ، وما من حبَّةٍ تَنبُتُ إلَّا ومَعها مَلَكٌ".
ومنهم موكَّل بالسَّحاب، قال الله تعالى: {فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) } [الصافات: 2] قال ابن عباس: هي الملائكة تزجر السَّحاب، وقال علي - رضي الله عنه: الرَّعد صوت مَلَك والبرق مَصْعه - أي ضربه -، يضرب السّحاب بالمخاريق.
ومنهم موكل بصخرة بيت المقدس، قال كعب الأحبار: قد وكل الله بها ملكين.
[ومنهم ملكان] يقول أحدهما في صبيحة كل يوم:"اللَّهَمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويقُولُ الآخَرُ: اللَّهمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا".
وقال ابن عباس: يقول أحدهما: ليت الخلائق لم يخلقوا، ويقول الآخر: وليتهم إذ خلقوا لم يبعثوا.
ومنهم موكَّل بالمدينة يمنعونها من الدَّجال، قال البخاري بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"على أَنقَابِ المدينةِ ملائكةٌ لا يَدخُلُها الطَّاعُونُ ولا الدَّجَّالُ". أخرجاه في الصحيحين.
ومنهم موكَّل بتصوير النُّطَف، قال أحمد بن حنبل: بإسناده، عن حذيفة بن أَسِيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يَدخُلُ المَلَكُ على النُّطفَةِ بَعْدَما استَقَرَّت في الرَّحِم أربَعينَ ليلةً، فيقول: يا ربِّ، ماذا؟ أشَقيٌّ أم سَعيدٌ؟ أذَكَرٌ أم أُنثَى؟ فيقولُ: اكتب، فيكتبُ، ويُكتَبُ عَمَلُه وأَثرُهُ ومُصِيبَتُه ورِزقُه، ثم تُطوى الصَّحِيفةُ فلا يُزادُ على ما فيها ولا يُنقصُ منها". وقد أخرجاه في الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه.
ومنهم سيَّاحون في الأرض يتَّبعون مجالس الذكر، فإذا رأوا حلقةً فيها قومٌ يذكرون الله جلسوا إليهم، قال البخاري بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إنَّ للهِ ملائِكةً يطوفونَ في الطُّرُقِ يَلتمِسُون أهل الذِّكْرِ، فإذا وجَدُوا قَومًا يذكُرونَ الله تَنَادَوا: هَلُمُّوا إلى حاجَتِكم، فَيحفُّونَهم بأجنِحَتِهِم إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيَسألُهمُ ربُّهمُ - وهو أعلمُ بهم - ماذا يقول عِبَادي؟ قالُوا: يُسبِّحُونَكَ ويَحمَدونَك ويُكبِّرونَك ويُمجِّدونَك، قال فيقول الله تعالى: فَهَل رَأَوْني؟ فيقولون: لا، فيقولُ: فلو رَأَوْني؟ فيقولون: لو رَأَوْك لَكانُوا أشدَّ عبادَةً وأشدَّ تَمجيدًا وتَسْبيحًا وتَكْبيرًا، قال فيقول: فما سَألوني - أو يَسْألوني -؟ فيقولون: الجنَّةَ، فيقول: وهل رَأَوْها؟ فيقولون: لا، فيقولُ: فكيفَ لو رَأَوْها؟ فيقولون: لو رَأوْها لكانوا أشدَّ عليها حِرْصًا، ولها طَلبًا، وأعظمَ رَغْبةً. قال فيقولُ: فمِمَّ يَتَعوَّذون؟ فيقولون: من النَّار، فيقول: وهل رَأَوْها؟ فيقولون: لا، فيقول: فكيفَ لو رَأَوْها؟ فيقولون: لَكانوا أشدَّ منها فِرارًا وهَرَبًا، فيقول: أُشهِدُكم أنِّي قد غَفَرتُ لهم، قال فيقول بعض الملائكة: فيهم فُلان ليسَ منهم إنَّما جاءَ لحاجةٍ، فيقول الله تعالى: همُ الجُلَساءُ الذين لا يَشْقَى بهم جَليسُهم". أخرجاه في الصحيحين.
ولمسلم:"همُ السُّعداء". ولمسلم أيضًا:"إنَّ لله مَلائِكةً سَيَّارةً فُضُلًا يَتَّبعون مَجالسَ الذِّكر"وفيه:"فإذا تَفَرَّقوا عَرَجُوا إلى الله فيَسأَلُهم الله تبارك وتعالى"، وذكره.