والموضع الثاني: إذا كان الرجل مؤثرًا أن يحج محبة للحج، وشوقًا إلى المشاعر، وهو عاجز، فيستعين بالمال المحجوج به على الحج، وهذا قد يعطى المال ليحج به لا عن أحد، كما يعطى المجاهد المال ليغزو به، فلا شبهة فيه، فيكون لهذا أجر الحج ببدنه ولهذا أجر الحج بماله، كما في الجهاد؛ فإنه من جهز غازيًا فقد غزا، وقد يعطى المال ليحج به عن غيره، فيكون مقصود المعطى الحج عن المعطى عنه، ومقصود الحاج ما يحصل له من الأجر بنفس الحج لا بنفس الإحسان إلى الغير. وهذا أيضًا إنما يأخذ ما ينفقه في الحج كما لا يأخذ إلا ما ينفقه في الغزو، فهاتان صورتان مستحبتان، وهما الجائزتان من أن يأخذ نفقة الحج ويرد الفضل. (14)
(235) إذا كان قصد النائب الاكتساب بذلك، وهو أن يستفضل مالًا، فهذا صورة الإجارة والجعالة، والصواب أن هذا لا يستحب، ومن أراد الدنيا بعمل الآخرة فليس له في الآخرة من خلاق. (14)
(236) أما الحاج عن الغير لأن يوفي دينه فقد اختلف فيها العلماء أيهما أفضل؟ والأصح أن الأفضل الترك، وهذا المدين يأخذ من الزكاة ما يوفي به دينه، خير له من أن يقصد أن يحج ليأخذ دراهم يوفي بها دينه. (19)
(237) يجوز أن يحج المدين المعسر إذا حججه غيره، ولم يكن في ذلك إضاعة لحق الدين؛ إما لكونه عاجزًا عن الكسب، وإما لكون الغريم غائبًا لا يمكن توفيته من الكسب. (20)
(238) لا يسقط الحج عمن خرج حاجًا إلى بيت الله الحرام بالزاد والراحلة فأدركه الموت في الطريق، ثم إن كان خرج إلى الحج حين وجب عليه من غير تفريط مات غير عاصٍ، وإن فرط بعد الوجوب مات عاصيًا، ويُحج عنه من حيث بلغ، وإن كان قد خلف مالًا فالنفقة من ذلك واجبة في أظهر قولي العلماء. (21)
(239) لا خلاف بين أصحابنا وسائر المسلمين أن الحج لا يصح إلا بالنية، إما من الحاج نفسه، وإما من يحج به، كما يحج ولي الصبي، ولو