طلوع الفجر. والتحقيق أن المقصود هو الوقوف بالمشعر الحرام، ووقته من أواخر الليل إلى طلوع الشمس. (610)
(485) الصواب أن وقت الوقوف بمزدلفة لا يفوت إلى طلوع الشمس، فمن وافاها قبل ذلك فقد وقف بها؛ وهذا الوقوف المشروع في غداتها هو المقصود الأعظم من الوقوف بمزدلفة، وبه يتم امتثال قوله: (( فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ) ) [البقرة:198] الآية. وأيضًا: فإن عروة بن مضرس أتى النبي وهو بمزدلفة حين خرج لصلاة الفجر، وقال له النبي: (من أدرك معنا هذه الصلاة، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا؛ فقد تم حجه، وقضى تفثه) [1] ، وهذا نص في [أن] مزدلفة تدرك بعد طلوع الفجر كما تدرك قبل الفجر؛ لأن هذا السائل إنما وافاها بعد طلوع الفجر. وأيضًا: فإن الله أمر كل مفيض من عرفات بذكره عند المشعر الحرام، فلو كان وقت هذا الواجب يفوت بطلوع الفجر لم يمكن كل مفيض امتثال هذا الأمر. وأيضًا: فإن وقت التعريف يمتد إلى طلوع الفجر؛ فلا بد أن يكون عقبيه وقت للمشعر الحرام؛ لئلا يتداخل وقت هذين النسكين. (612)
(486) لما كانت مناسك الحج عبادة محضة، وانقيادًا صرفًا، وذلًا للنفوس، وخروجًا عن العز، والأمور المعتادة، وليس فيها حظ للنفوس؛ فربما قبحها الشيطان في عين الإنسان، ونهاه عنها، ولهذا قال: (( لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ) ) [الأعراف:16] ، قال رجل من أهل العلم [2] : هو طريق الحج، وقال بعد أن فرض: (( وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) ) [آل عمران:97] ؛ لعلمه أن من الناس من قد يكفر بهذه العبادة، وإن لم يكفروا بالصلاة، والزكاة، والصيام؛ فلا يرى حجه برًا، ولا تركه إثمًا، ثم الطواف بالصفا والمروة خصوصًا؛ فإنه مطاف بعيد، وفيه عدو شديد، وهو غير مألوف في غير الحج والعمرة، فربما كان
(1) رواه أبو داود (1950) .
(2) قال المحقق: هو عون بن عبد الله رحمه الله.