طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم) [1] ، تريد به الطواف بين الصفا والمروة، ولهذا نفته عن القارنين، ولو كان المراد به الطواف بالبيت لكان الجميع فيه سواء، فإن طواف الإفاضة لا يفترق فيه القارن والمتمتع. وقد خالفها جابر في ذلك، ففي صحيح مسلم عنه أنه قال: (لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا طوافه الأول) [2] ، وأخذ الإمام أحمد بحديث جابر هذا في رواية ابنه عبد الله، والمشهور عنه أنه لابد من طوافين على حديث عائشة، ولكن هذه اللفظة وهي: (فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت ... ) إلخ، قد قيل: إنها مدرجة في الحديث من كلام عروة. (201)
(117) الصواب أن ما أحرم به صلى الله عليه وسلم كان أفضل، وهو القران، ولكن أخبر أنه لو استقبل من أمره ما استدبر لأحرم بعمرة، وكان حينئذ موافقًا لهم في المفضول؛ تأليفًا لهم وتطييبًا لقلوبهم، كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، وإدخال الحجر فيها، وإلصاق بابها بالأرض، تأليفًا لقلوب الصحابة الحديثي العهد بالإسلام، خشية أن تنفر قلوبهم؛ وعلى هذا فيكون الله تعالى قد جمع له الأمرين: النسك الأفضل الذي أحرم به، وموافقته لأصحابه بقوله: (لو استقبلت .. ) ، فهذا بفعله، وهذا بنيته وقوله، وهذا الأليق بحاله صلوات الله وسلامه عليه. (205)
(118) عند النسائي عن سراقة: (تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمتعنا معه، فقلنا: ألنا خاصة أم للأبد؟ قال: بل للأبد) [3] ، وهو صريح في أن العمرة التي فسخوا حجهم إليها لم تكن مختصة بهم، وأنها مشروعة للأمة إلى يوم القيامة؛ وقول من قال: إن المراد به السؤال عن المتعة في أشهر الحج لا عن عمرة الفسخ، باطل من وجوه:
(1) رواه البخاري (1638) ، ومسلم (1211) .
(2) رواه مسلم (1279) .
(3) أصل الحديث في البخاري (1785) ، ومسلم (1216) .