فهرس الكتاب

الصفحة 315 من 643

أولًا. وإنما يتوهم الإشكال من يتوهم أنه فسخ حج إلى عمرة، وليس كذلك؛ فإنه لو أراد أن يفسخ الحج إلى عمرة مفردة لم يجز عند أحد، وإنما يجوز الفسخ لمن نيته أن يحج بعد متعته من عامه، والمتمتع من حين يحرم بالعمرة دخل في الحج، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (دخلت العمرة في الحج) ، فهذه المتعة التي فسخ إليها هي جزء من الحج ليست عمرة مفردة، وهي من الحج بمنزلة الوضوء من غسل الجنابة، فهي عبادة واحدة قد تخللها الرخصة بالإحلال، وهذا لا يمنع أن تكون واحدة؛ كطواف الإفاضة؛ فإنه من تمام الحج، ولا يفعل إلا بعد التحلل الأول، وكذلك رمي الجمار أيام منى من تمام الحج، وهو يفعل بعد التحلل التام.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق) [1] ، يتناول من حج حجة تمتع فيها بالعمرة، وإن تحلل من إحرامه ولم تكن حجته مكية؛ إذ لا ينقلهم الرءوف الرحيم بهم من الفاضل الراجح إلى المفضول الناقص؛ بل إنما نقلهم من المفضول إلى الفاضل الكامل، لا يجوز غير هذا ألبتة.

العشرون: أن القياس أنه إذا اجتمعت عبادتان: كبرى وصغرى، فالسنة تقديم الصغرى على الكبرى منهما، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يبدأ في غسل الجنابة بالوضوء أولًا، ثم يتبعه الغسل، وقال في غسل ابنته: (ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها) [2] ، فنسخ الحج إلى العمرة يتضمن موافقة هذه السنة، فقد تبين أنه موافق للنصوص والقياس، ولحج خيار الأمة مع نبيها، ولو لم يكن فيه نص لكان القياس يدل على جوازه من الوجوه التي ذكرنا وغيرها. ولو تتبعنا أدلة جوازه لطالت، وفي هذا كفاية والحمد لله. (208)

(1) رواه البخاري (1819) ، ومسلم (1350) .

(2) رواه البخاري (167) ، ومسلم (939) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت