هذه الكلمات بعينها، وتضمنت معانيها. وقوله: (وهو على كل شيء قدير) لك أن تدخلها تحت قولك في التلبية: لا شريك لك، ولك أن تدخلها تحت قولك: إن الحمد والنعمة لك، ولك أن تدخلها تحت إثبات الملك له تعالى؛ إذ لو كان بعض الموجودات خارجًا عن قدرته وملكه واقعًا بخلق غيره؛ لم يكن نفي الشريك عامًا، ولم يكن إثبات الملك والحمد له عامًا، وهذا من أعظم المحال، والملك كله له، والحمد كله له، وليس له شريك بوجه من الوجوه.
الثامنة عشرة: أن كلمات التلبية متضمنة للرد على كل مبطل في صفات الله وتوحيده؛ فإنها مبطلة لقول المشركين على اختلاف طوائفهم ومقالاتهم، ولقول الفلاسفة وإخوانهم من الجهمية المعطلين لصفات الكمال التي هي متعلق الحمد، فهو سبحانه محمود لذاته ولصفاته ولأفعاله، فمن جحد صفاته وأفعاله فقد جحد حمده، ومبطلة لقول مجوس الأمة القدرية، الذين أخرجوا من ملك الرب وقدرته أفعال عباده من الملائكة والجن والإنس، فلم يثبتوا له عليها قدرة، ولا جعلوه خالقًا لها، فعلى قولهم لا تكون داخلة تحت ملكه؛ إذ من لا قدرة له على الشيء كيف يكون هذا الشيء داخلًا تحت ملكه؟! فلم يجعلوا الملك كله لله، ولم يجعلوه على كل شيء قدير، وأما الفلاسفة فعندهم لا قدرة له على شيء ألبتة، فمن علم معنى هذه الكلمات وشهدها وأيقن بها باين جميع الطوائف المعطلة.
التاسعة عشرة: في عطف الملك على الحمد والنعمة بعد كمال الخبر، وهو قوله: (إن الحمد والنعمة لك والملك) ولم يقل: إن الحمد والنعمة والملك -لطيفة بديعة؛ وهي: أن الكلام يصير بذلك جملتين مستقلتين، فإنه لو قال: إن الحمد والنعمة والملك لك؛ كان عطف الملك على ما قبله عطف مفرد، فلما تمت الجملة