وكذلك قال الله تعالى: {مِنْها خَلَقْناكُم وفِيها نُعِيدُكُم} [طه: 55] ولم يُسَمِّ الإعادة إلى الأرض خلقًا، لأنها عبارة عن الدَّفْنِ الذي هو من جنس أفعال العباد.
وأوضح من هذه الآية {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} [الغاشية: 17 - 20] .
ولذلك فرَّق أئمة السنة بين الخلق والجعل في مسألة القرآن كما مضى تقريره في مسألة القرآن.
وقد يجوز في بعض ما عُدِلَ به عن لفظ الخلق إلى اسمه الخاصِّ به أن يسمى خلقًا مثل قوله: {وَمِنْها نُخرِجُكم تَارةً أُخرى} [طه: 55] فإن الإخراج هذا [1] يجوز أن يسمى خلقًا إن كان ترجم به عن الخلق، وإن كان إنما أراد الإخراج من حيث هو إخراجٌ، ولم يُشِرْ به إلى الخلق، فلا يظهر تسميته خلقًا على انفراده، فقد يستدل الجويني ومن وافقه من أصحابه ومن معتزلة بغداد بهذه الأمور على أن الخلق في اللغة يختص بالمعاني التي قدمنا ذكرها، فيجبُ قَصْرُه عليها، وتفسيرُ {خالق كلِّ شيء} بما [2] يُسمى خلقًا، ولا يلزم من قال بهذا من أهل اللغة محذورٌ، ولا مخالفةٌ لمذهب أهل السنة وحقيقته، لأنهم إنما يقولون:
الأكوان التي هي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق من الأمر لا من الخلق، فرقًا بين مجرد [3] التسمية مع اعترافهم بأن الخلق والأمر، كلاهما لله [4] وحده لا شريك له، على أنهم لم يصرحوا بهذا، وإنما هو منتهى ما يلزمهم [5] عند التحقيق، ولهم أن يوافقوا على ما أجمع عليه السلف الصالح منهم من تسمية
(1) في (ش) : هنا.
(2) في (ش) : إنما.
(3) في (ش) : مجرى.
(4) في (ش) : مع اعترافهم بأنهما لله تعالى.
(5) في (ش) : يلزم.