وأما الهجوم على الجزم باعتقاد أحد الأقوال في مسائل الخلاف النَّظريَّة من غير نصٍّ من كتاب الله تعالى، ولا سنَّةٍ [1] صحيحةٍ من مُحَدِّثٍ جامد، فيُعَرَّض للخزي في الدنيا والآخرة. نسأل الله السلامة.
فإيَّاك أيُّها السُّنِّيُّ، وطول اللجاج، وشِدَّة الشَّكيمة في مسألة اللفظ [2] ، وفي مسألة الحدوث، وفي مسألة القِدَمِ، واقتصر على أن القرآن كلامُ الله حقيقةً، وأنه كلَّم موسى عليه السلام، وكلَّم من شاء من أنبيائه، كما قال: منهم من كلم الله [البقرة: 253] مع الجزم بأن الله ليس كمثله شيءٌ، وسمِّ القرآن بما سمَّاه الله تعالى من الأسماء الشريفة، وكِلْ حُكْمَ من تعدِّى ذلك من المختلفين إلى الله تعالى.
فإن قلت: ما الذي مَنَعَ أحمد بن حنبل وغيره من أهلِ الحديث من مُوافقةِ الظاهريَّة على حدوث القرآن مع أنه ظاهر الآيات، ومع أنه [3] لا يقتضي ردَّ قوله تعالى: {وكلَّمَ اللهُ مُوسى تكليمًا} وأمثالها، ومع كونهم لا يرون [4] تأويل الظواهر بالرأي، والتمحُّل [5] البعيد بغير موجبٍ؟
قلت: الذي فهمته مِنْ تكرارِ النظر في عباراتهم ومقاصدهم أحد وجهين، أو كلاهما:
الوجه الأول: أنهم رأوا للحدوث معنيين: حدوثًا نسبيًّا، وحدوثًا مُطلقًا، فالحدوث النسبي [6] بالنظر إلى نزوله، ومجيء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وجبريل عليه السلام، كقوله تعالى: إنَّه لَقَوْلُ
(1) في (ش) : سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(2) ساقطة من (ش) .
(3) في (ب) : كونه.
(4) في (أ) و (ج) و (د) و (ش) :"يروون"، والمثبت من (ب) .
(5) في (ب) :"التحمل"، وهو تحريف.
(6) في (ب) : فالنسبي هو حدوثه.