فهرس الكتاب

الصفحة 1428 من 2256

المرتبة الأولى: تكليف المكلَّفين من غير اختيارهم للتكليف.

المعنى الصحيح بالاتفاق، وإن اختلفت العبارة عنه، وذلك إقدار المكلفين وخلقهم مُمْتَحَنين عُقلاء مختارين. وقد صرَّح الشهرستاني في"نهاية الإقدام"بالجبر، وفسره بهذا المعنى كما سيأتي عند ذكر مذهب الجويني، وإنه إنما حمله عليه الفرار من ركاكة الجبر، وذلك في الكلام على الفرقة الرابعة في المرتبة الخامسة، وهذا معنى صحيح لكن فيه إيهام الجبر في الأفعال الاختيارية، فتسمية ذلك جبرًا قبيحٌ، وإن كان قد اعترف الزمخشري وهو من رؤوس المعتزلة بصحة هذه العبارة، فقال في تفسير سورة الحشر في تفسير اسمه الجبّار جلَّ وعزّ أنه الذي جبر الخلق على ما أراد، ووافقه الخطابي على هذا التفسير، رواه البيهقي عن الخطابي في"الأسماء والصفات"وأنه على وجه لا يُوهم الجبر في التكاليف الاختيارية، والخلق بهذا المعنى مجبورون مقهورون مربوبون مقسورون.

ولا يرد عليه قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] فإن أقصى ما تدل عليه من هذا المعنى أنه خُيِّر في بعض صور التكليف كتحمُّل الأمانة بعد أن خُلِق مُكَلَّفًا مختارًا، فاختياره الأول الذي اختار به التكليف الخاصَّ جَبْرٌ لم يثبت باختياره، وإن سلمنا أن الآية تقتضي أنه خُيِّر في مطلق التكليف، فغير واردٍ لوجوه.

الأول: أنه لا يصح منه اختيار التكليف حتى يخلق عاقلًا مختارًا من غير اختياره، وهذا هو الجبرُ الأول المتفق عليه.

الثاني: أنها خاصةٌ بآدم عليه السلام، لأن المعلوم ضرورةً أن غيره غير مُخَيَّرٍ فيه.

الوجه الثالث: أنه لا يحسُنُ من الرب عزَّ وجلَّ عند المعتزلة التخيير في الدخول في التكليف، بل الرب عزَّ وجلَّ عن قولهم غير مختار في إيجاب الواجبات وتحريم المحرمات عندهم على ما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.

فالآية عندهم متأولة، وتفسير الجبر بهذا المعنى أجنبيٌّ مما نحن فيه لولا إرادة التقصِّي لمعانيه في إطلاقاتهم وخشية أن يستدركه علي مستدركٌ ما ذكرته، وقد جعلته أوّل المراتب لوضوحه والاتفاق على معناه، وقلة الكلام فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت