فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 2256

الوهم التاسع والعشرون: وَهْمُ المعترض أن مذهبهم الجميع القول بتكليف ما لا يطاق.

وليس كذلك، فلم يذهب إلى هذا إلاَّ القليل من متأخري أهل علم الكلام منهم، كالرازي والسبكي من غلاة علم الكلام، دون حَمَلَة العلم النبوي، الذين أصل كلامنا فيهم، وذبُّنا عنهم، ومن ذهب إلى هذا منهم لم يُرِدْ ما يُفْهَمُ من ظاهر العبارة فيما ظهر لي، ولم أر فيهم من بالغ في نُصرته من غير تأويلٍ إلاَّ الرازي في مقدمات"المحصول" [1] دون"النهاية"، لكنه تاب من ذلك وأمثاله، فلا يَحِلُّ نسبته إليه، سامحه الله تعالى.

وقد ردوا ذلك، وأنكروه عليه، وعلى من ذهب إليه في مُصنفاتهم المشهورة في بلاد الزيدية، مع قلَّةِ كتبهم فيها، مثل كتاب"مختصر"منتهى السُّول"في أصول الفقه" [2] لابن الحاجب، فإنه صرَّح فيه بردِّ هذا المذهب، وأورد الحجج على بطلانه، ولم يجزم بصحة روايته عن أحدٍ ممن يُعتمد عليه من أئمتهم، وإنما رواه بصيغة التمريض عن الأشعري، لأنه لم يَنُصَّ عليه الأشعري وإنما أخذوه له من قوله بخلق الأفعال، وعدم تأثير القدرة.

وقد بيَّنَّا في مسألة خلق الأفعال أن الأشعري يقول بأن التكليف متوجِّهٌ إلى العزم، والاختيار الذي هو عنده فعل العبد وأثر قدرته كقول الجاحظ وثُمَامَة بن أشرس من المعتزلة، وليس يتعلق التكليف عنده بالأفعال، فإنها عنده أثر قدرة الله تعالى، فبطل تخريج هذا القول له من هذا الوجه.

وتقدم هناك أيضًا بيان مقصد الأشعري في قوله: إنه لا ينقطع التكليفُ بفعلٍ حال حدوثه وإن لم يُرِدِ الطلب.

وقد قرَّر شُرَّاح"مختصر المنتهى"كلام ابن الحاجب في تزييف هذا القول، ولم يقولوا: إنه خرج فيه عن مذهبهم، ولا مال عن القوي المنصوص عندهم.

وكذلك يقول هو، يدل على أنه المنصوص المنصور في كتاب السيف الآمدي [3] أحد علماء الكلام منهم، لأن كتاب السيف الآمدي هو أصل كتاب

(1) انظر 2/ 363 - 399.

(2) انظر ص 41 - 43.

(3) في (ش) :"للآمدي"، وهو خطأ. والسيف الآمدي: هو: العلامة المصنف سيف الدين علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي الآمدي، تبحَّر في العلوم، وتفرّد بعلم المعقولات والمنطق والكلام، وقصده الطلاب من البلاد. توفي سنة 631. انظر ترجمته في"السير"22/ 364.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت