وبَعْدُ: فإني ما زِلْتُ مشغوفًا بِدرْك الحقائق مشغولًا بطلب المعارف، مُؤثِرًا الطلب لملازمة الأكابر، ومطالعةِ الدَّفاتر، والبحثِ عن حقائق مذاهب المخالفين، والتَّفتيشِ عن تلخيص أَعذارِ الغالطين، مُحسِّنًا في ذلك للنِّيَّة، متحرِّيًا فيه لطريق الإنصاف السَّوية، متضرعًا إلى اللهِ تَضَرُّعَ مضطرٍ محتار [1] ، غريقٍ في بحار الأَنْظار، طريح في مهاوي الأفكار، قد وهبتُ أيامَ شبابي وَلَذَّاتي، وزمان اكتسابي ونشاطي، لِكُدُورةِ علمِ الكلام والجِدال، والنَّظرِ فىِ مقالاتِ أهل الضَّلال، حتى عرفتُ صحةَ قولِ مَنْ قَالَ:
لَقَدْ طُفْتُ في تِلْكَ المعَاهِدِ كُلِّها ... وسيَّرْتُ طَرْفي بينَ تِلْكَ المعالم
فلم أرَ إلّا وَاضِعَا كفَّ حَائِرٍ ... على ذَقَنٍ أو قارِعًا سِنَّ نادم [2]
(1) الجادة أن يقال: حائر، إلا أن السجع هو الذي حمل المصنف على ارتكاب هذا الخطأ.
(2) في ترجمة ابن سينا من"وفيات الأعيان"2/ 161: وينسب إليه البيتان اللذان =