فهرس الكتاب
36]، فإن القول بأنَّ رواة الصِّحاح قد تعمَّدُوا الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تلك الأحاديث مما ليس لي به علمٌ، فلو علم ذلك أحدٌ، فلا لوم عليه في تكذيبهم، لكن من لا يعلمُ ذلك ما سبب إلزامِه أن يقطع بغير تقريرٍ ولا هُدى، ولا كتاب منيرٍ، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن تكذيب اليهود فيما رووه [1] خوفًا أن يصدقوا، فيكون المكذِّب لهم قد كذَّت الحق [2] ، فهذا في اليهود القوم البُهْتِ، فكيف بأهل الإسلام؟
المرجِّح الثالث: أنا نخاف أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال تلك الأحاديث، ونخاف أن يكون ما قالها، فنظرنا أيُّ الجَنَبتين أهون، فوجدنا الخطأ في القبول أهون من الخطأ في الرَّدِّ، لأنا متى أخطأنا في القبول، كان تصديقًا له [3] موقوفًا على شرط أنه قال [4] : ومتى أخطأنا في الرَّدِّ كان تكذيبًا [5] موقوفًا على أنه ما قال، والتصديق الموقوف خيرٌ من التكذيب بالضرورة، أقصى ما في الباب أن يكون الخطأ في القبول كذبًا عليه، والخطأ في الرد تكذيبًا له، صانه الله تعالى من ذكر ذلك، لكن تعمُّد الكذب عليه فسقٌ، وتعمُّد التكذيب له كفرٌ، فالخطأ فيما عمده فسقٌ أهون من الخطأ فيما عمده كفر، وهذا من نفائس المرجِّحات وخفيَّات المُدركاتِ النظرية.
(1) في (ش) :"رووا".
(2) أخرج عبد الرزاق (20059) ، وأحمد 4/ 136، وأبو داود (3644) من حديث أبي نملة الأنصاري مرفوعًا:"ما حدثكم أهل الكتاب، فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله، فإن كان حقًَّا، لم تكذبوهم، وإن كان باطلًا، لم تصدقوهم".
وصححه ابن حبان (6257) . وله شاهد من حديث أبي هريرة عند البخاري (4485) و (7362) و (7542) بلفظ:"لا تصدقوا أهل الكتاب بما يحدثونكم عن الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أُنزل إلينا، لأن الله تعالى أخبر أنهم كتبوا بأيديهم، وقالوا: هذا من عند الله".
(3) "له"ساقطة من (ف) .
(4) في (د) و (ف) :"أن يقول".
(5) "تكذيبًا"ساقطة من (ف) .