فهرس الكتاب

الصفحة 1305 من 2256

وكأن بين الحق والباطل مساواةٌ حتى تحتاج إلى الفارق، الفرق أنه على الباطل وأنا على الحق، وأنا متيقن لذلك، غير شاك فيه، فكيف أطلب الفرق حيت يكون الفرق معلومًا قطعًا من غير طلب؟ فهذه حالة المقلِّدين الموقنين، وهذا إشكالٌ لا يقع لليهودي المبطل، لقطعه بمذهبه مع نفسه، فكيف يقع للمقلد المسلم الذي وافق اعتقاده ما هو عند الله تعالى؟ فظهر بهذا على القطع أنَّ اعتقاداتهم جازمة، وأن الشرع لم يكلفهم إلا ذلك. انتهى كلامه رحمه الله.

وأقول: إن الله تعالى قد فطر الخلق على معرفته، كما قال تعالى: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: 30] ، وأوضح ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وزاده بيانًا بقوله:"كل مولود يولد على الفطرة" [1] ، واتفق الكل على صحته، وهذه الفطرة تقتضي الإيمان بنفسها، وترجحه على ما ينافيه، سواءٌ كانت علمًا ضروريًا، كما قاله أهل المعارف من المعتزلة، أو نظريًا [2] جليًا كما يقوله الجمهور، أو يقينًا ظنيًا يقتضي من سكون النفس ما يقتضيه النظر، فمن قبلها، ولم يعارضها بما هو دونها من شُبَهِ [3] المبطلين، أثابه الله الزيادة في إيمانه، ومن عصى بعنادٍ، أو تقليدٍ لأبويه أو شيوخه، استحق العقوبة، كما قال تعالى: {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّة} [الأنعام: 110] ، وكما قال تعالى: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب} [البقرة: 211] ، وقد أوجبت المعتزلة الخاطر على الله تعالى، وهو زيادة على الفطرة، فكيف لا يفترق

(1) تقدم تخريجه في ص 48.

(2) في (ش) : نظرًا.

(3) تحرفت في (ب) و (ش) إلى"سنة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت