اعترف أبو سفيان أنَّه لم يتمكَّن من الكَذِبِ على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هِرَقل [1] ، وعَرَفَ بعقله مع كفره وعداوته أن الكذب لا يمضي له.
ولو قدرنا صدورَ مثل هذا من قليل عقل، لوقع منهم من التنكيلِ به، والذَّمِّ له، وضربِ الأمثال بكذبه، والمناداة عليه في المحافِلِ والمجامعِ ما يُوجِبُ تَواتُرَ ذلك عنهم فيه، ولَمَا كفي أمير المؤمنين أن يقول ذلك مرةً ولا ثنتين ولا ثلاثًا حتى يتواتَر.
وفي أخبار عمر رضي الله عنه أنَّه قال: كيف وجدتموني؟ قالوا: وجدناك مستقيمًا، ولو زُغْتَ، لقوَّمناكَ، فقال: الحمد لله الذي جعلني في قومٍ إذا زُغْت، قوَّموني، وَدَعْ عنك الكثير الطَّيِّبَ مِن أخبارهم في ذلك، فقد قال الله تعالى في مُحْكَمِ كتابه الكريمِ في خِطابهم ووصفهم: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110] فكيف يُمكِنُ ظهورُ كذاب على الله ورسوله مستور بينَهم، ثم لا يَهْتِكونَ سَتْرَه،
(1) وذلك حين أرسل إليه هرقل في ركب من قريش وكانوا تجارًا بالشام في المدة التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء، فدعاهم في مجلسه، وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه، ققال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، فقال أبو سفيان: أنا أقربهم نسبًا، فقال: أدنوه مني، وقرَّبوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا الرجل، فإن كذبني، فكذبوه، قال أبو سفيان: فوالله لولا الحياء من أن يأثِرُوا علي كذبًا، لكذبتُ عنه ...
وانظر تتمة الخبر في"صحيح البخاري" (6) في بدء الوحي.
وقوله: أن يأثروا، أي: ينقلوا علي الكذب .... قال الحافط ابن حجر: وفيه دليل على أنهم كانوا يستقبحون الكذب إما بالأخذ عن الشرع السابق أو بالعرف، وفي قوله:"يأثروا"دون قوله"يكذبوا"دليل على أنَّه كان واثقًا منهم بعدم التكذيب أن لو كذب لاشتراكهم معه في عداوة النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكنه ترك ذلك استحياء، وأنفة من أن يتحدثوا بذلك بعد أن يرجعوا، فيصير عند سامعي ذلك كذابًا، وفي رواية ابن إسحاق التصريح بذلك، ولفظه: فوالله لو قد كذبت، ما ردوا علي، ولكني كنت امرءًا سيدًا أتكرم عن الكذب، وعلمت أن أيسر ما في ذلك إن أنا كذبته أن يحفظوا ذلك عني، ثم يتحدثوا به، فلم أكذبه.