كُنَّا عَنْ هذا غافلينَ [الأعراف: 172] ، وقوله تعالى: {أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} [الأنعام: 156] ، وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} [طه: 134] ، وقوله: {بَلَى قَدْ جاءَتْكَ آياتي فكَذَّبْتَ بها} [الزمر: 59] جوابًا على من قال: {لَوْ أنَّ الله هداني} [الزمر: 57] وأمثال ذلك كثير جدًا.
ولا شكَّ أن المعلوم من السمع قرآنًا وسُنةً أن مراد الله تعالى بهذا وأمثاله قَطْعُ أعذار المُكلَّفين، فإذا كانت الدواعي إلى المعاصي من فعله، والمعاصي عند حصول الدواعي واجبة الوقوع بالنظر إلى الواقع، وإن كانت ممكنة بالنظر إلى القدرة والمقدور، كان ذلك عُذرًا للعبد غير مقطوع بشيءٍ، مع أنَّ الشرع ورد بقطع الأعذار التي هي دُون هذا، والجواب من وجوه:
الأول: أن من يقول بإيجاب الداعي، وتوقُّف الفعل عليه يقول: إن الشرع إنما ورد بقطع ما يُمْكِنُ في عقول العباد وعوائدهم قطعه من الأعذار دون ما يستحيل في عقولهم وعوائدهم، وهذا مما يستحيل عندهم لما سيأتي عند الكلام على تحقيق مذاهبهم من استحالة نفس الاختيار بغير ذلك فإنهم قالوا: القادر: هو الذي يتمكن من الفعل أو الترك [1] مع المرجِّح، ويستحيل وجودُ قادر يتمكن من الإتيان بكل واحد منهما بدلًا عن الآخر من غير مرجِّح، ولا يمكن دخول هذه الحقيقة في الوجود عندهم، وهو قول حُذَّاق أهل الكلام من جميع الطوائف كما يأتي تقريره.
وحاصلُ الأمر أن نذكر أمرين: جُملي وتفصيلي.
أما الجملي: فهو أن العقل إنما يوجب قطع أعذار الخلق في إنكار
(1) في (ش) : والترك.