قال: إن طاعة المتغلِّب [1] خيرٌ من الخروج عليه، لما في ذلك من تسكين الدهماء، وحقن الدماء، ولو كان الخروج حرامًا قطعًا، والطاعة واجبةً قطعًا، لم يقل: إن الطاعة خيرٌ من الخروج، كما لا يقال: إن صوم رمضان خيرٌ من فِطْرِهِ، لأنهما لم يشتركا في الخير حتى يُفاضَلَ بينهما فيه، وإنما يقال ذلك مجازًا، والظاهر في الكلام عدم التجوز [2] ، ولذلك لم يقل أحدٌ [3] ببقاء الحكم على مفهوم قوله تعالى: {وأن تصوموا خيرٌ لكم} [البقرة: 184] ، بل قيل:
منسوخٌ، وقيل: لأهل الأعذار، فالسيد ظن أن كلام ابن بطَّالٍ حجَّةٌ له، وهو حجةٌ عليه، فأُتِيَ مما هو مستند إليه.
ومثل كلامه [4] هذا كلام أبي عمر بن عبد البر في"الاستيعاب"، فإنه قال [5] في الكلام على حديث مالكٍ، عن يحيى بن [6] سعيدٍ، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن جدِّه، قال:"بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة في العسر واليُسر والمَنْشطِ والمكره، وأن لا نُنازِع الأمر أهله" [7] .
قال ابن عبد البر: واختلف الناس في معنى قوله:"وأن لا ننارع الأمر أهله"فقال قومٌ: هم أهل العدل والفضل والدين، وهؤلاء لا ينازَعُون، لأنهم أهل الأمر على الحقيقة.
وقال أهل الفقه: إنما يكون الاختيار في بدء الأمر، ولكن الجائر من الأئمة إذا أقام الجهاد والجُمُعة والأعياد، سكنت له الدَّهماء، وأنصف بعضها من
(1) في (ش) : المتغلب طاعته.
(2) في (ش) : التجويز.
(3) ساقطة من (د) و (ف) .
(4) كتب فوقها في (ش) :"أى: كلام ابن بطال".
(5) في (د) و (ف) :"قال فإنه".
(6) تحرف في (ش) إلى:"أبي".
(7) الحديث في"الموطأ"2/ 445 - 446. وانظر تمام تخريجه في"صحيح ابن حبان" (4547) .