ولما تكلَّم في"المحصول"على الوصف العدمي في باب القياس ذكر كلام الفلاسفة واختاره تصريحًا، وذكر الجواب الذي رد به عليهم في"الأربعين"، ثم نَقَضَهُ في"المحصول".
وتراه في"النهاية"يتلوَّن، ففي مسألة حدوث العالم قال: لا جواب على الفلاسفة إلاَّ بمذهب المعتزلة في ترجيح الفاعل لأحد مقدوريه من غير مرجحٍ.
وفي مسألة خلق الأفعال أبطل قول المعتزلة في هذه المسألة بعينها.
وكذلك صرَّح فيما أحسِبُ بنفي الاختيار في مقدمات"المحصول"في أصول الفقه في الاحتجاج على نفي التحسين العقلي، وجوّد ابن الحاجب الرد عليه في"المنتهى"كما نقلته في هذا الكتاب في آخر هذه المسألة.
واضطرب الرازي في"مفاتح الغيب"فقال: إن إثبات الإله يُلجِىءُ إلى القول بالجبر، وإثبات الرسل يُلجِىءُ إلى القول بالقدر [1] ، ثم قال: بل هنا سر آخر وهو فوق الكل، وهو أنا لما رجعنا إلى الفطرة السليمة والعقل الأول، وجدنا أن ما استوى الوجود والعدم بالنسبة إليه لا يترجَّح أحدهما على الآخر إلا بمرجح، وهذا يقتضي الجبر، ونجد أيضًا تفرقةً بديهيةً بين الحركات الاختيارية والاضطرارية، وجزمًا بديهيًا بحُسْنِ المدح والذم والأمر والنهي، وذلك يقتضي مذهب المعتزلة.
فكأن هذه المسألة وقعت في حيِّز التعارض بحسب العلوم الضرورية، وبحسب العلوم النظرية، وبحسب تعظيم الله تعالى نظرًا إلى قدرته، وبحسب تعظيمه نظرًا إلى حكمته، وبحسب التوحيد والنُّبُوَّة، وبحسب الدلائل السمعية.
(1) كتب في (أ) و (ف) فوق لفظة"بالقدر": بالاختيار، ثم حشِّي علبها في الهامش: هكذا في بعض كتب الفن منقولًا عن الرازي.