وفي كلاماته عليه السلام لأصحابه من هذا شيءٌ كثير.
ومنه [1] قول الخطيب: نسينا كل واعظةٍ، وأمِنَّا كُلَّ جائحة، فهذا لو كان [2] على حقيقته، كان كذبًا ينقُض الوضوء على المذهب.
وقول الخطيب أيضًا: كأن الحق فيها على غيرنا وجب، ولو كان على حقيقته، كان جرحًا، لأن هذا الكلام لا يصدُق إلاَّ على من يضيع الواجب، ومن كان محافظًا عليه، لا يقال: إنه كمن لم يجب عليه واجب، وإنما ذكرت هذه الجملة، لأن السيد احتج على جرح الزهري بأشياء من جملتها موعظةٌ كتبها إليه بعضُ إخوانه في الله، وقد غفل السيد في الاحتجاج هذا على الجرح لوجوهٍ:
أولها: أن ذلك لا يدل على الجرح حتَّى يظهر من الواعظ اعتقاد فسق الموعوظ أو تأثيمه، لكنا قد بيَّنا ما يقتضي خلافه، فإن الوُعَّاظ، وإن لم يعتقدوا قُبح [3] الشيء ولا إثم فاعله، فإنهم يُوردون من قوارع الوعظ وزواجر التذكير ما يُريك وقوع المكروهات من أهل العقول الراجحة في أرفع مراتب القبح تنفيرًا عن سَفْسَاف الأمور وترغيبًا في معاليها.
وثانيها: إنا وإن سلمنا دلالة الموعظة على استقباح الواعظ للفعل [4] على الحقيقة، لكن لا نسلِّم أنه استقباحٌ قطعيٌّ، فقد يعتقد الواعظ تحريم الشيء، لأن عنده أنه حرامٌ بالنظر إلى اجتهاده، وهو لا يدري ما مذهبُ صاحبه فيه، فيزجره عنه زجر معتقدٍ للتحريم، ولو سُئِلَ عن تأثيم الموعوط، لتوقَّف فيه حتَّى يدري بعذره، فإذا أخبره [5] أنه يستحلُّه، وبين له الوجه، عَذَرَهُ.
وثالثها: أنا وإن سلمنا اعتقاد الواعظ لقبح الشيء على سبيل القطع، لم يكن لنا أن نقلِّده في استقباحه، وإنما نقبله في أن ذلك القبيح وقع من
(1) "ومنه"ساقطة من (ف) .
(2) في (ش) :"ولو كان".
(3) في (ش) :"قبيح".
(4) تحرفت في (ف) إلى:"للعقل".
(5) في (ف) :"أخبرته".