فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 388

(الجوهر) من قبيلة جدالة، ساقه حبه للدين إلى الذهاب للحج، فمر بفقيه في مدينة (القيروان) يعظ جماعة ويفقههم في الدين.

والجوهر القادم من الصحراء، حيث البداة هناك كالبداة في كل صحراء لا يعرفون من الدين إلا ألفاظا يرددونها، أصغى إلى هذا الفقيه وكلما طال إصغاؤه كثر تعجبه مما يسمع، فالدين إذن ليس الشهادتين فقط، إن له أحكاما لا يدرون في الصحراء منها شيئا.

ومضى الجوهر إلى الحج ثم عاد مارا بالفقيه المفقه وأطلعه على ما في نفسه قائلا: ما عندنا من هذا في الصحراء من شيء غير الشهادتين والصلاة في بعض الخاصة، فابعث معي من يعلمهم شرائع الإسلام..

وقفة (الجوهر) على الفقيه في طريق مسيره إلى الحج، ثم وقفته عليه حين عودته من الحج وحديثه معه كانتا السبب في نشوء حركة دينية واسعة، ثم في نشوء دولة مترامية الأطراف امتدت من شمال أفريقيا حتى أقاصي الأندلس، نشبت فيها المعارك وسفكت الدماء وكثر القتلى، وكان بينهم (الجوهر) نفسه...

لقد لبى الفقيه طلب (الجوهر) فبعث معه رجلا اسمه عبد الله بن ياسين الجزولي، وكان في نظره فقيها صالحا، فسارا حتى بلغا قبيلة لمتونة، فأول ما فعله الجوهر ليرفع منزلة الفقيه بين القبيلة أن نزل عن جمله وأخذ بزمام جمل الجزولي يقوده، فأقبل الناس يهنئونه بالإياب ويسألونه عن رفيقه، فأخبرهم أنه قادم ليشرح لهم العقائد الإسلامية ويدعوهم إلى تطبيقها، فلما أفاض الجزولي في الحديث، قالوا له: أما ما ذكرت من الصلاة والزكاة فقريب، وأما قولك من قتل يقتل، ومن سرق يقطع، ومن زنى يجلد أو يرجم فأمر لا نلتزمه.

اذهب إلى غيرنا.

إن هذه الصورة من الحوار هي قبل كل شيء طريفة كل الطرافة، ثم هي تدلنا على حقيقة تطبيق الإسلام لا في هذه الصحراء وحدها، بل في الصحراوات كلها: فلا صلاة ولا زكاة ولا حدود، إنهم لم يذكروا الصيام، فهل كانوا يصومون؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت