إنهم لم يعدوا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولكن قالوا: إن أمرها قريب، وأما غير القريب، والبعيد كل البعد فهو أن تطبق عليهم الحدود!.
فإذا كان كل قاتل يقتل، وكل سارق يقطع، وكل زان يجلد أو يرجم، فيا لكثرة من سيقتل منهم وسيقطع وسيجلد أو يرجم!.
لذلك رفضوا قبول الفقيه الجزولي بينهم.. وإذا كان لنا أن نستنتج تفشي تلك الآثام بينهم، فإننا نستنتج كذلك أن إثما كبيرا لا أثر له بينهم، هو: شرب الخمر.
عمل الجوهر والفقيه بالنصيحة فقررا الرحيل إلى مكان آخر.
وكان بين المستمعين لكلام الفقيه شيخ أثقلته السنون وحنكته التجارب، فاستشف من بيان الفقيه وعزمه واستفاضته في الحديث، قدرة على الإقناع وما بعد الإقناع من نجاح.
فعندما رأي الفقيه على جمله راحلا في الصحراء قال: لا بد أن يكون لهذا الجمل في هذه الصحراء شأن يذكر في العالم!.
وصحت نبوءة هذا الشيخ الصحراوي وصدقت فراسته، فكان للجمل وصاحبه في تلك الصحراء وما وراء الصحراء شأن أي شأن!.
ترك الرجلان قبيلة لمتونة ومضيا إلى قبيلة (جدالة) ، وهي قبيلة الجوهر، فدعا عبد الله بن ياسين هذه القبيلة والقبائل المجاورة لها إلى مثل ما دعا إليه قبيلة لمتونة.
وهنا اختلف الأمر عما كان عليه في لمتونة، ففي لمتونة كان إجماع على رفض عبد الله بن ياسين ودعوته، وفي جدالة وما جاورها وجد من يستجيب ووجد من يرفض.
عند هذا المفترق انقلب ذاك الشيخ الزاهد العابد المتقشف العازف عن الدنيا انقلب إلى متنمر مقاتل مخطط عازم على سفك الدماء في سبيل إنجاح أمره!.
فصارح المستجيبين إليه بوجوب إعلان الحرب على الرافضين، مخاطبا إياهم بهذا القول: قد وجب عليكم أن تقاتلوا هؤلاء الذين خالفوا الحق وأنكروا شرائع الإسلام واستعدوا لقتالكم، فأقيموا لكم راية وقدموا عليكم أميرا.