وفي سنة 500 هـ توفي يوسف بن تاشفين. وهنا تعود إلى ابن الأثير رقته فيتناسى ما وصف به ابن تاشفين من صغر نفس ولؤم قدره، ويقول في رثائه: (توفي أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ملك المغرب والأندلس وكان حسن السيرة خيرا عادلا، يميل إلى أهل الدين والعلم ويكرمهم ويصدر عن رأيهم!) .
ثم يقول: (كان حليما كريما، وكان يحب العفو والصفح عن الذنوب العظام!) .
ونحن نسأل ابن الأثير من وراء قبره: هل من حسن السيرة أن يفعل ما فعل بالمعتمد بن عباد؟! وهل من العدل أن يقتل ولديه صبرا أمام عينيه؟ وهل من الميل إلى العلم والدين أن ينتهي أمر بنات المعتمد إلى ما انتهى إليه؟.
وهل أدماه سجن المعتمد حتى الموت ووضع القيد في رجليه وقتل ولديه بلا ذنب، هل كل ذلك صادر عن رأي أهل العلم والدين؟!.
وهل ما جرى-مما ذكره ابن الأثير نفسه-يدل على أن ابن تاشفين كان يحب العفو والصفح عن الذنوب العظام؟ وتولى بعد يوسف ابنه على بن يوسف، ويقول المراكشي (المعجب 241) عن عهده: (واستولى النساء على الأحوال وأسندت إليهن الأمور وصارت كل امرأة من أكابر لمتونة ومسوفة مشتملة على كل مفسد وشرير وقاطع سبيل وصاحب خمر وماخور، وأمير المسلمين في ذلك كله يتزيد تغافله ويقوى ضعفه، وقنع باسم إمرة المسلمين وبما يدفع إليه من الخراج وعكف على العبادة والتبتل وأهمل أمور الرعية غاية الإهمال) .
على أن ابن الخطيب (تاريخ المغرب العربي 253) يقول عن عهده: (كان ملكا كبيرا فاضلا معتدلا عظم في أيامه الملك، واتسق العز وملك جميع بلاد المغرب إلى بجاية، إلى الأرض الأندلسية والجزر الجوفية وبلاد القبلة بأسرها) .
وإننا نقول: إن اتساع الرقعة التي يحكمها، والصفات التي ذكرها له لا تتنافي مع ما ذكره عنه المراكشي في المعجب، ولا ندري أي كبر وفضل واعتدال يقصد ابن الخطيب؟..