هذه النصوص التي أوردها ابن الأثير عن ثورة قرطبة على المرابطين ذات دلالات كبيرة عن هؤلاء المرابطين الذين قامت دعوتهم في الأساس على وعظ الناس ودعوتهم إلى التمسك بالدين، فإذا بهم يفتتحون الدعوة بذبح ألفي رجل، وصار الشعار من يخالف يقتل.
ثم جرى ما جرى على المعتمد بن عباد، على يدي يوسف بن تاشفين، ثم كان الأمر في عهد ولده علي: أن استولى النساء على الأحوال، وصارت كل امرأة مشتملة على كل مفسد وشرير وقاطع سبيل وصاحب خمر وماخور ...
ثم هذه هي الثورة عليهم في قرطبة من أجل محاولة اعتداء عبد من عبيدهم على امرأة ...
ونستنتج من ثورة قرطبة ما يلي:
1 -لم يستطع المرابطون الاندماج في الشعب ولم تتغلغل دعوتهم في الجماهير، بل ظلوا عضوا منفرزا عن الشعب، ينظر إليهم الناس على أنهم غرباء عنه.
2 -من أجل أن يستمر القتال طول النهار بين أهل قرطبة وبين العبيد، يجب أن يكون عدد هؤلاء العبيد كبيرا جدا. وهذا يتنافى مع أبسط قواعد الإسلام الذي حض على تحرير العبيد لا على الإكثار منهم، وهذا يدل-كما تدل أحداث يوسف بن تاشفين من قبل-على أن الحركة المرابطية كانت منذ تأسيسها على يد مؤسسها (التنفيذي) أبي بكر بن عمر، بعيدة عما تظاهرت بأنها تدعو إليه من التمسك بأهداب الدين.
ولا نشك أبدا بإخلاص عبد الله بن ياسين المؤسس (النظري) للحركة، ولكن الذي نشك به هو مقدار تفهمه لجوهر الإسلام والدعوة الإسلامية، فالذي يأمر-أو على الأقل يرضى-بذبح ألفي مسلم صبرا من أجل أنهم لم يستجيبوا لتعاليمه، ويكون شعار دعوته: من لم يكن معنا قتلناه، هو إما مغفل استغله أبو بكر بن عمر، أو إنسان لا صلة له بروح الإسلام وجوهره وأسلوبه في الدعوة إلى الحق.