أما جاولي الذي ذكرنا أنه ترك الموصل ومضى ينهب السواد، فقد أخذ معه (القمص بردويل) صاحب الرها وسروج وغيرها، وهو الذي كان قد أسره سقمان وأخذه منه جكرمش، وبقي في الموصل مسجونا خمس سنين، وبذل الأموال الكثيرة فلم يطلق.
وحاول جاولي أن يتحالف على السلطان مع بعض الأمراء السلاجقة فلم يوفق إلى ذلك. وهنا اتجه إلى القمص بردويل فأطلقه وخلع عليه، وقرر عليه أن يفدي نفسه بمال وأن يطلق أسرى المسلمين الذين في سجنه، وأن ينصره متى أراد ذلك منه بنفسه وعسكره وماله.
إن الشرط الأخير هو الهدف من إطلاق القمص، والشرطان الأولان شرطان ثانويان. الهدف من إطلاق القمص هو أن يذهب إلى مملكته ويجمع جيوشها ويجعلها على استعداد تلبيه لنداء جاولي حين يناديها لنصرته على قومه، وأن يكون القمص نفسه على رأسها فلا يقودها غيره.
وهكذا فإن القائد السلجوقي الذي انتدب لإنجاد المسلمين على الإفرنج، يستنجد بالإفرنج على المسلمين!..
وتتشابك الأمور بعد ذلك وينتهى الأمر إلى أن يغري الملك رضوان بن تتش صاحب حلب-يغري (طنكري) الصليبيي صاحب إنطاكية بجاولي فيتحالفا عليه، ويتحالف جاولي مع القمص وجوسلين وتقع حرب من أعجب الحروب: تحالف إسلامي صليبي على تحالف إسلامي صليبي، وتنتهى الحرب بهزيمه جاولي وحلفائه. ويقول ابن الأثير: وقتل من المسلمين خلق كثير ونهب صاحب إنطاكية أموالهم وأثقالهم وعظم البلاء عليهم من الإفرنج، وحدثت في هذه السنة معركة جانبية بين طغتكين والفرنج أدت إلى هزيمة الإفرنج أولا ثم عقد هدنة بين الفريقين، تخللتها معركة، يقول ابن الأثير عن نتيجتها: بأن عسكر طغتكين انهزموا وخلوا ثقلهم ورحالهم ودوابهم للإفرنج ووصل المسلمون على أقبح حال من التقطع.