ولكي نعرف رأي الشعب بحكامه، نشير إلى أنه في هذه السنة نزل في العراق جميعه من البصرة إلى تكريت ثلج كثير وبقي مغطيا الأرض خمسة عشر يوما فقال بعض الشعراء:
يا صدور الزمان ليس بوفر ما رأيناه في نواحي العراق
إنما عم ظلمكم سائر الخلق فشابت ذوائب الآفاق
وكان من تقدم الصليبيين هذه السنة أن أكثروا من الإغارة على حلب وأعمالها، وأعملوا هناك التخريب والتحريق حتى أدى الأمر إلى أن سلمهم صاحب حلب حصن الأثارب القريب من حلب.
وعوضا عن أن يثير هذا التسليم الحمية في نفوس المتسلطين، أثار أطماعهم في صاحب حلب، فإن بلك بن بهرام بن أرتق صاحب حران اعتقد ضعف صاحب حلب فلم يندب نفسه لتقويته والتقدم معه لاسترجاع حصن الأثارب، بل تقدم لأخذ حلب منه، فنازلها وضايقها ومنع الميرة عنها وأحرق زروعها، فاستسلمت حلب له.
وطغتكين صاحب دمشق الذي رأيناه فيما مضي يستنجد بالصليبيين نراه اليوم يهاجم مدينة حمص وينهبها ويحرق كثيرا منها، ثم يهاجم مدينة حماة ويستولي عليها.
كان كل ذلك يجري بين حكام السلاجقة غير معنيين بأمر الصليبيين وتمددهم في البلاد. وكان الصليبيون يعدون العدة لاستصفاء بلاد الشام وكبريات مدنها، فقرروا الاستيلاء على مدينة صور.
فاستنجدت بطغتكين بعد أن أشرف أهلها على الهلاك، فسار طغتكين حتى نزل بانياس ليقرب من صور لعل الصليبيين إذا رأوا ذلك يرحلون عن صور، ولكنهم لم يفعلوا، وانتهى الأمر باستيلاء الصليبيين على صور وخروج أهلها منها وتفرقوا في البلاد.