لو كان البغداديون مبتهجين بزوال الحكم البويهي الشيعي لأغضوا عن استنجاد ذاك الفرد المستنجد ولأقبلوا إليه وإلى من استنجد عليهم محاولين الاستفهام عما يجري ولفضوا المشكل بين الفريقين بأهون سبيل..
ولو كانوا مستبشرين بقدوم من أراحهم من حكم البويهيين لطيبوا خاطر الجنود الغز وتعرفوا إلى حاجتهم وبادروا بإرشادهم إلى باعة التبن واعتذروا إليهم عن سوء ظن ذاك الفرد بهم، ولتصافوا جميعا وانتهى الأمر بالتوادد والتحابب.
ولكن البغداديين كانوا آسفين لانقضاء العهد البويهي غاضبين على من أنهاه، فلم يكادوا يسمعون صرخة الاستنجاد حتى هاجموا جنود طغرل بك ورجموهم دون أن يحاولوا الاستفسار عن سبب الخلاف، والاستعلام من الجنود عما يريدون.
على أن الأخطر من ذلك هو أن الأمر لم يقتصر على من شهدوا التجاذب بين البغدادي وجنود طغرل بك فهاجوا على الجنود ورجموهم، بل تعدى إلى الجمهور البغدادي السني كله، هذا الجمهور الذي وصفه ابن الأثير بقوله: (وسمع الناس الصياح، فظنوا أن الملك الرحيم وعسكره قد عزموا على قتال طغرل بك فارتج البلد من أقطاره، وأقبلوا من كل حدب ينسلون، يقتلون من الغز من وجد في محال بغداد، إلا أهل الكرخ(الشيعة) فإنهم لم يتعرضوا إلى الغز وحفظوهم، ومعنى ذلك أن البغداديين حين علموا بتسليم الملك البويهي بالأمر الواقع وعدم مقاومته للاحتلال السلجوقي سكتوا وسلموا مثله بالأمر الواقع. ولكنهم حينما سمعوا الصياح ورأوا اشتباك مواطنيهم مع الغز جنود طغرل بك، ظنوا بأن الملك البويهي (الرحيم) غير رأيه وعزم على المقاومة، لذلك ارتج البلد بهم وأقبلوا من كل حدب ينسلون، وراحوا يقتلون كل من يصادفونه من الجنود، وأعلنوها ثورة عامة على طغرل بك واحتلاله.
أما أهل الكرخ (الشيعة) فقد كان موقفهم مغايرا، ويبدو واضحا أنهم لم يشاركوا في هذه الثورة، بل راحوا يجمعون الجنود الغز ويحفظونهم.