البدر، ولم يلبث في منصب الاستيفاء شهرا حتى اختفى بدره في السرّار، وانتقل من هذه الدار إلى تلك الدار. وتولى مكانه ديوان الاستيفاء الكمال أبو الريان الأصفهاني.
قال: وهؤلاء الذين تولوا الاستيفاء كلهم كانوا من صنائع العزيز وتلامذته، وكان في ديوان الإنشاء سعد الدين الخراساني، وفي منصب الطغراء مؤيد الدين المرزبان بن عبيد الله الأصفهاني. فأما أتابك قراسنقر، فإنه لما قتل الوزير كمال الدين محمد الخازن وجلس وزيره في وزارة السلطان، رحل بالملكين سلجق وداود إلى بلاد فارس. فلما عرف بوزابه حضورهم لجأ إلى قلعة كل وكلاب، وهي بين خوزستان وفارس، ودخل الملك سلجق مدينة شيراز، وجلس على سرير الملك بها مسرورا، ونظم من المصالح ما كان منثورا، وغفل عن القدر، فأنس بملكه مغرورا. وأراد قراسنقر أن يخلي عنده عسكرا يحمي حماه ويعدي على عداه. فحمل الأمير غز أغلي السلاحي، وهو مقدم عسكر سلجق، حب التفرد والتوحد على إظهار الغنى عمن ينجده، وأنه لا حاجة به إلى من يسعده. فقال لقراسنقر:"أنا ما أحتاج إلى أحد، ولا أفتقر إلى مدد"
فاستحسن قراسنقر منه هذا العزم، وترك الحزم. فصار غزأغلي مستقلا، وسار قراسنقر مستقلا1. ومضى صوب خوزستان، ليعبر منها إلى همذان. وسرح الملك داود جماعة من العسكرية على طريق سواها، للنية التي نواها. فلما وصل عسكر مكرم لم يوافقه الهواء الخوزي. فوقع في القوم وفي دوابهم الموتان 2، وعجزت القدرة وتعذر الإمكان.
فأقام على تلك الصورة بحسب الضرورة.
وأما الملك سلجق فإنه ظن أنه ملك، وأن خصمه هلك، وأن بوزابه على كل حال مملوك لا يقدم على المالك، وأنه إنما فر لانسداد المسالك. ورجا أيضا من غزأغلي أتابكه أنه لا يخل بالتيقظ، ولا يخلي ما يجب عليه من التحفظ. وكان الأمر بالعكس، وسقم حاله على النكس. فإن أتابكه اشتغل بالأكل والشرب، واللهو واللعب. فبينا هو كذلك إذ هجم عليه بوازبه وعلى الملك سلجق فقتل وفتك، وأسر وأوثق. ولم ينج من العسكر إلا القليل، ولم يعرج على الخليل الخليل. وقبض على سلجق وحمله إلى
مستقلا: راحلا.
الموتان: الموت.