فنزل الأمير فخر الدين قويدان قائد الجنود، وقبل الأرض للخليفة، وطلب بلاد الحلة، واقتدى به ناصر الدين منكوبرس في طلب البصرة. فأنعم بهما عليهما، فتأهبا للقاء، وتلهبا على الهيجاء. وحمل الوزير ومن معه، فلم يجدوا في تلك النقاد للآساد طريقا، وصادفوا في ذلك الفضاء الواسع للأنعام المحشورة إليه مضيقا. وكان ترشك مملوك الخليفة للمخالفين مخالفا، وفي الميمنة واقفا. فحملت ميمنتهم على ميسرة الخليفة، وفيها مهلهل ابن أبي عسكر والأكراد، فهلهلت نسجها، وحلحلت برجها.
وعادت صفوة صفوف الأكراد أكدارا، وأجفلوا كالظلمان 1هزيمة وفرارا. ودخل ترشك بين أطناب السرادق الشريفة، فطعن برمحه ظهير الدين بن الفقيه المرتب في المخزن فقتله، وركضت ميمنتهم خلف المنهزمين فلم يعرجوا، ومروا وراءهم ومرجوا.
وأما الميمنة الميمونة الإمامية، فإنها حملت، وفيها ناصر الدين منكوبرس وفخر الدين قويدان، ونفذت إلى القوم، وقوضت ما قابله من البنيان المرصوص، وحكمت بنصر الحق المنصوص عليه، على الباطل المنقوص. فلم ير غير رأس سائر، ورأس طائر. ورزح يتشظىّ، وصارم يتلظى. وتبدد شمل آمال الأعادي، وتفرقوا عباديد. وأخلفهم الشيطان ما كان مناهم من مواعيد. وطاروا على خيولهم كأنما استعارت من قوائمها قوادم، وتركوا بتلك المغاني من أغنام التركمان مغانم. وخبّت البشرى إلى بغداد بالنصر، بعقب إرجاف الأجلاف المنهزمين بالكسر.
ووقف بعد الهزيمة مسعود البلالي في قلبه ثابتا قلبه، راجيا أن يثوب إليه حزبه، فهب إليه ابن هبيرة فهبره، وبري أجزاء صفه وجز وبره. وانتهز الفرصة الأمير سنقر الهمذاني، فانفرد بالملك أرسلان بن طغرل وسار به، وأخفى مسيره في مضايق كل وادي ومساربه. حتى وصل به إلى شمس الدين إيلدكز زوج أمه، وكأنما أنزل به الغني بعد عدمه. وأما الخليفة فإنه سجد لله شكرا، وانشرح بالنصر صدرا. ودخل إلى بغداد منصور اللواء، مصحوبا بأملاك السماء. ولما تمت على أولئك القوم في أملهم الخيبة، تملكتهم من جانب أمير المؤمنين الهيبة. ونكصوا على أعقابهم عاثرين بذيل الخجل، عابرين على سبيل الوجل. فلما رجعوا إلى السلطان محمد بن محمود ندّمهم،
الظلمان: جمع ظليم وهو ذكر النعام.