منهم في الجاليشية1. فهم يخرجون، ويجرحون ويجرجون. فيأمر لهم الخليفة بالعطاء، على قدر البلاء.
وكان لكل جراحة على مقدارها عطاء، ولكل عمل مبرور جزاء. فتوفرت دواعي العوام على التهافت في نار الحرب تهافت الفراش في النار، للفوز عند العود بالدين والدينار. فقامت الحرب على بغداد بالمساء والصباح، والغدو والرّواح. وطالت مدة الحصار، ولم يؤثر في الأسعار، وما عز غير اللّحم، ولا عز الملح. والأمل مقترب النجح، وخسران الخصم دليل الربح. وكانوا قد نصبوا من الجانب الذي من دجلة على مسناة دار العميد، وبقرب القمرية، منجنيقين عظيمين، وهّموا بنصب منجنيق آخر على الخان الذي بناه سرخك مقابل التاج. ولو تم ذلك لأعضل داء الإزعاج.
فعين الخليفة ليلا رجالا أتوا بنيانه من القواعد، وكان لوقوعه سحرا رجفات كأصوات الرواعد. وكانت السفن المترددة في دجلة برماة الجروح والنشاب والقوارير المحرقة، والنفاطات المزرقة، وقد آذتهم وآذنتهم بعجزهم، وعزت بإزهاقهم فأزهقت روح عزهم. وما كانت لهم مراكب إلا عدة يسيرة يسخرون ملاحيها، ويخسرون مالكيها.
ثم لا يثقون بالركوب معهم فيها، فحاروا وخاروا، وتشاوروا واستشاروا.
فقال لهم بدر بن المظفر بن حماد صاحب الغراف، وكان قد جاهر الخليفة بالخلاف: أنا أكفيكم بسفن مقاتلة، وأغنيكم بمراكب حاملة، وجوار منشآت، وزوارق وشفارات 2من بلد واسط والبطائح، من الداني والنازح. فحمدوه وشكروه، ومضى وأقاموا ينتظرونه حتى وصل بالسفن الخفاف والثقال، والملاحين والرجال، فامتنع عليهم عبورها في البلد إليهم، ورتب الخليفة الرجال في المراكب للقائها، وإحراقها بالنار وإردائها. ولما شق عليهم ذلك ردوها إلى نهر عيسى، بعد أن مدوها إلى الفرات. وأخرجوها فوق بغداد في الصراة. وتكاملت مدة شهرين في ذلك، ثم بدأوا بعقد جسر على دجلة فوق دار السلطان من تلك الزواريق، واتسعت طريقهم في العبور بالتغريب والتشريق. وضايقوا في الحصر من الجانبين، وشددوا في منع الميرة
الجاليشية: كلمة غير عربية ولعلها فارسية، ولا ندري لها معنى.
شفارات: لعلها من شفّر بمعنى استأصل أو ضيق.