وإذا خرجتم، وضعتموها على طرق الطوارق، وتعرضت لكم دون السفر عوائد الحدثان في البوائق، فاصبروا، فإن الصبر محمود العواقب. والله لنا كفيل بفل ناب النوائب.
فضجوا حتى أضجروا، وزجروا فما انزجروا. فوكلوا إلى آرائهم الفائلة، وآرابهم الحائلة. فاستبقوا الباب، وما استبقوا الألياب. فخرجوا وأحرزوا تلك البضائع في الدار السلطانية، ولم يقدموا مع تلك الفتن على السفرة الهمذانية. فما مضت عليهم إلا أيام قلائل، حتى غالتهم غوائل. فنهبوا وسلبوا وأصبحوا فقراء، وهذه سنة الله في الأغنياء، إذ كانوا أغبياء. وسنذكر سبب ذلك إن شاء الله.
قال: وأما العسكر النازل، فإن السلطان رأى مراسلة الخليفة بالاستعطاف والاستعطاء، والاستغفار والاستعفاء. وكان في صحبته من العلماء صدر الدين محمد ابن عبد اللطيف الخجندي، وشمس الدين أحمد شاذ الغزنوي. فأرسل كلا منهما على حدة، فلم يمكنا من الوصول. وقيل لا مطمع في نجح السؤال بالرسول. فإنكم لو أردتم الإجمال، لقدمتم الأرسال. والآن، إن استرجعتم، ورجعتم، ورأى الوري منكم الندم على ما فعلتم، فهنالك نسمع الرسائل، ونقبل الوسائل. فقنط القوم من قبول الرسالة، وشرعوا في الشر، وعادوا إلى العدوان، ولجّوا في العصيان والطغيان، وتخريب العمران.
وانخرقت مهابتهم عند أهل بغداد. فطلبوا بكل نوع عليهم الاستحواذ، فصاروا يكبسونهم في الضياع، ويغافصونهم 1بالقراع. ويقطعون الطرق على علاقتهم، ويوجدون السبل إلى تكثير مخافتهم. وكانت الأكلاك واصلة من الموصل إليهم بالميرة، والأقوات الكثيرة. فتلقوها في دجلة فأخذوها، وعبروا بها عليهم وعجزوا أن ينقذوها.
وامتنع أهل الموصل بعد ذلك عن تسيير الأكلاك فما أنفذوها.
وكان وزير الخليفة منذ وصل محمد للمحاصرة واصل مكاتبة أتابك شمس الدين إيلدكز، وحثه على الحركة مع أحد الملكين: ملكشاه، أو أرسلان شاه إلى همذان، فوصلهم الخبر بأن ملكشاه هجم على البلاد، واستولى على الطراف والتلاد. واقتطع الإقطاعات وحوى الغلات، ورفع الارتفاعات. ففت ذلك في عضد العسكر وتضعضع
غافصة: أي فاجأه وأخذه على غره.