وبلغ ذلك البساسيري، وبلغه ما أشيع باطلا بأن جرار الخمر مرسلة إليه فعظم الأمر عليه، ونسب ما جرى إلى رئيس الرؤساء.
فكان أن استصدر فتاوى من فقهاء الحنيفة بأن الذي فعل، من كسر الجرار، وإراقة الخمر تعد غير واجب، وهي ملك رجل نصراني لا يجوز.
وحرض رئيس الرؤساء الأتراك البغداديين على الطعن في البساسيري وذمه والتشنيع عليه، ونسب إليه كل ما ينالهم من أذي.
فلم يلبثوا أن جاءوا إلى الخليفة، يستأذنونه في التعدي على دور البساسيري، ونهبها فأذن لهم فساروا إليها ونهبوها وأحرقوها ونكلوا بنسائه وأهله ونوابه، ونهبوا دوابه وجميع ما يملكه في بغداد.
وراح رئيس الرؤساء يتناول في مجالسه البساسيري ذاما له، ناسبا إليه التآمر مع الخلافة الفاطمية في مصر ومراسلة الخليفة المستنصر.
وفسدت الأمور بين الخليفة، والبساسيري إلى الحد الذي لا يمكن معه إصلاحها. وأرسل إلى الملك الرحيم يأمره بإبعاد البساسيري فأبعده.
ويقرر ابن الأثير: أن هذه الحالة كانت من أعظم الأسباب في ملك السلطان طغرل بك العراق والقبض على الملك الرحيم.
ثم حدثت معركة سنجار، والاستيلاء على الموصل التي أشرنا إليها فيما تقدم، وبذلك جاهر البساسيري بالثورة ومارسها عمليا وأعلن الانتماء إلى الخلافة الفاطمية.
وفي سنة 450 هـ قام البساسيري بمحاولة ثانية للاستيلاء على الموصل، بالتعاون مع قريش بن بدران، فاستوليا على المدينة، ولم يستوليا على القلعة إلا بعد حصار أربعة أشهر.
وهنا كانت ثورة البساسيري قد أصبحت ثورة على الحكم السلجوقي الذي صار هو المسيطر على العراق، فلما بلغ طغرل بك ما جري في الموصل سارع إليها فلم يجد أحدا؛ لأن البساسيري وقريش كانا قد غادراها، فمضى وراءهما إلى نصيبين.