فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 388

وفي تلك العصور كانت إذا نشبت الحرب بين حكم شيعي وحكم سني، فإن انتصر الأول كان أول ما يفعله هو الأذان بحي على خير العمل وإلغاء: الصلاة خير من النوم في أذان الصبح، وإذا انتصر الثاني كان يفعل العكس.

فنور الدين محمود، مثلا، عندما افتتح مدينة حلب-وكانت شيعية-كان أول أمر يصدره هو إبطال حي على خير العمل من الأذان، والإعلان بالصلاة خير من النوم في أذان الصبح، وهدد كل من لا ينفذ هذا الأمر بالعقوبة الشديدة.

وأرسل مراقبين إلى مآذن المدينة كلها يرصدون له ما يجري، فجاء الجواب بأن أوامره نفذت في جميع المآذن ما عدا واحدة منها، رفض مؤذنها في أذان الصبح أن يؤذن بالصلاة خير من النوم. فأمر بأن يرمى من أعلى المئذنة إلى الأرض، ففعل به ذلك ومات تلك الميتة المروعة!..

وفي المقابل: عند ما نجح إسماعيل الصفوي في إقامة الدولة الشيعية في إيران، كان إذا فتح مدينة، فأول شيء فعله: الأمر بالأذان: حي على خير العمل، وإلغاء: الصلاة خير من النوم من أذان الصبح.

وكان في ذهنه ما فعله نور الدين محمود في حلب، فأرسل مراقبين إلى جميع المآذن، فجاءه الخبر بأن مؤذنا واحدا أذن صباحا بالصلاة خير من النوم، فأمر بإلقائه من أعلى المئذنة إلى الأرض!..

بهذه الفظائع الوحشية كان التعامل نصرة للمذاهب، وتأييدا في زعمهم للدين!! أما السنيون في بغداد فلم يبالوا أن يؤذن في جامع المنصور بحي على خير العمل، وأن يعلن انضمامهم إلى خلافة شيعية ما دام في ذلك تخلصهم من حكم السلاجقة.

إن في هذه الأحداث البغدادية من العبر ما علينا إلا أن ننظر إليه بعمق وتفكر، وما يدل على أن العصبيات المذهبية التي طالما أدت إلى الفتن والتقاتل والتذابح ليست من أصالة الشعوب، بل إن الذين يحركونها إما أن يكونوا عمي البصيرة أو من المستغلين المستفيدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت