فهذا الشعب البغدادي الذي طالما قرأنا في كتاب (الكامل) لابن الأثير نفسه ما كان يثور فيه من الفتن المذهبية، نراه هنا صفا واحدا في مقاومة الظلم.
هذا الشعب وغيره من الشعوب ممن كانوا يهيجونه لمجرد كلمة تزاد في الأذان، أو تبدل بكلمة أخرى، أو ليغير ذلك من الأسباب، ها هو عندما يواجه الحقائق، يرى أنه لا ضير على هذا الفريق أن لا يرى الفريق الآخر عين ما يراه هو في الشئون المذهبية.
ولكن فقهاء السوء وحكام الجور هم الذين يؤججون العصبيات المذهبية والنعرات الدينية.
الأولون ليستغلوا براءة الشعب لمنافعهم، والآخرون ليشغلوه عن التصدي لجورهم والتمرد على ظلمهم.
فهذا البساسيري لما عدل بين الناس، ولم يتعصب لمذهب، كان السنيون والشيعة في مناصرته على السواء، ومضى السنيون على أصالتهم الفطرية يؤيدونه على الظالمين وإن كانوا من أتباع مذاهبهم، ولم ينظروا إليه على أنه على غير مذهبهم.
وبالرغم من الرأي القائل بتفادي الصدام العسكري بالبساسيري؛ لأن جماهير الشعب سنية وشيعية تؤيده، وأنه لا توجد قوى سلجوقية في بغداد تقاتله؛ لأن طغرل بك كان بجنوده في الري منشغلا بتمرد أخيه إبراهيم (ينال) عليه.
بالرغم من ذلك فإن رئيس الرؤساء استجاب للقائلين بالحرب، وكان بذلك يستجيب لأحقاده على البساسيري. فعندما جاءه القاضي الهمذاني واستأذنه في الحرب، وضمن له قتل البساسيري أذن له، فخرج ومعه الخدم وجماعات مختلفة، وأبعدوا، والبساسيري يستجرهم، فلما أبعدوا حمل عليهم فانهزموا، وقتل منهم جماعة، ومات في الزحمة جماعة من الأعيان، ونهب باب الأزج، وكان رئيس الرؤساء واقفا دون الباب فدخل الدار، وهرب كل من في الحريم.