فلما رأوا ذلك أرسلوا إلى كربوقا يطلبون منه الأمان ليخرجوا من البلد فلم يعطهم ما طلبوا، وقال: لا تخرجون إلا بالسيف. وكان معهم من الملوك: بردويل، وصنجيل، وكندفري والقمص صاحب الرها وبيمنت صاحب إنطاكية، وهو المقدم عليهم...) إلى أن يقول ابن الأثير: (فخرجوا(الإفرنج) متفرقين من خمسة وستة، ونحو ذلك. فقال المسلمون لكربوقا: ينبغي أن نقف على الباب فنقتل كل من يخرج، فإن أمرهم الآن وهم متفرقون سهل، فقال: لا تفعلوا! أمهلوهم حتى يتكامل خروجهم فنقتلهم، ولم يمكن من معاجلتهم، فقتل قوم من المسلمين جماعة من الخارجين، فجاء إليهم هو بنفسه، منعهم ونهاهم.
فلما تكامل خروج الإفرنج، ولم يبق بإنطاكية أحد منهم، ضربوا مصافا عظيما، فولى المسلمون منهزمين، لما عاملهم به كربوقا أولا من الاستهانة بهم والإعراض عنهم، وثانيا من منعهم من قتل الإفرنج، وتمت الهزيمة عليهم، ولم يضرب أحد منهم بسيف ولا طعن برمح ولا رمى بسهم، وآخر من انهزم سقمان بن أرتق، وجناح الدولة، لأنهما كانا في الكمين، وانهزم كربوقا معهم. فلما رأى الإفرنج ذلك ظنوه مكيدة، إذ لم يجر قتال ينهزم من مثله، وخافوا أن يتبعوهم. وثبت جماعة من المجاهدين وقاتلوا حسبة وطلبا للشهادة، فقتل الإفرنج منهم ألوفا وغنموا ما في المعسكر من الأقوات والأموال والأثاث والدواب والأسلحة، فصلحت حالهم وعادت إليهم قوتهم) (انتهى) .
وعندما ينهى ابن الأثير كلامه هذا، يشير إلى أن ما أتاحه تصرف كربوقا وخيانة القادة الآخرين، هي التي رسخت عزم الصليبيين على الزحف إلى القدس بعد ما كان قد عراهم من اليأس والانخذال، حتى طلبوا الأمان والاستسلام، فيقول: لما فعل الإفرنج بالمسلمين ما فعلوا ساروا إلى معرة النعمان... ثم تابعوا السير بعد ذلك إلى القدس.