وحكي أيضًا عن الشبلي قال: خرجت ذات يوم أريد البادية فرأيت شابًا صغير السنّ نحيل الجسم أشعث أغبر عليه ثياب رثة، وهو جالس في الجبانة يمرغ خديه بين القبور، وجعل يرمق السماء تارة بعد تارة، ويحرك شفتيه وتسيل الدموع من عينيه، وهو مستغرق في الدعاء والذكر والاستغفار، ولا يشغله شاغل عن التسبيح والتقديس والتحميد والتمجيد والتعظيم، فلما رأيت الشاب على تلك الحالة مالت نفسي إليه، وطابت على لقائه، فتركت الطريق التي أروح عليها وقصدت نحوه، فلما رآني أقبلت إليه انتهض من مكانه، وقام يمشي هاربًا مني، فنهَّضت نفسي في اتباعه لعلي ألحقه، فلم أقدر على إدراكه فقلت له: رفقًا يا وليّ الله فقال: الله، فقلت بحقه إلا ما صبرت، فأشار بأصبعه لا أفعل. وقال: الله فقلت: إن كان حقًا ما تقول، فأرني صدقك مع الله تعالى فنادى بصوت عالٍ يا الله: فوقع في الأرض مغشيًا عليه، فدنوت منه وحركته، فإذا هو ميت من ساعته، فوهمت من ذلك، وتعجبت من حاله، وصدقه مع الله تعالى، وقلت: يختص برحمته من يشاء ـــــ وقلت: لا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم.