كفاية، كما أنه لما قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} احتمل أن يريد كل ميتة، وكل دم على العموم، واحتمل كونه خصوصًا في بعض الميتات والدماء، فأوضحه صلى الله عليه وسلم بأن قال:"أحلت لكم ميتاتان ودمان". وهذه الآية عكس آية الخمر؛ لأنه خصص في هذه الآية ما يحتمل أن يكون عمومًا، وعمم في آية الخمر ما يحتمل أن يكون خصوصًا. وتسلقنا في هذا إلى ما ليس منه لتعلقه، فالعلوم آخذ بعضها برقاب بعض. وقال قوم: سموا الخمر من العنب خمرًا؛ لأنها تخامر العقل، وسمي النبيذ خمرًا؛ لتحقق ذلك المعنى فيه قياسًا عليه، حتى يدخله في عموم قوله: حرمت عليكم الخمر لعينها. وهذا غير مرضي؛ لأن العرب- إن عرفتنا بتوقيفها-: أنا وضعنا الاسم للمسكر المعتصر من العنب خاصة، فوضعه لغيره تقول عليهم، واقتراح، فلا يكون لغتهم، بل يكون وضعها من جهتنا. وإن عرفتنا أنها وضعته: لكل ما يخامر العقل كيف كان، فاسم الخمر ثابت للنبيذ؛ لتوقيفهم لا بقياسنا. كما أنهم عرفونا أن كل مصدر فله فاعل، فإذا سمينا فاعل الضرب ضاربًا كان ذلك عن توقيف، لا عن قياس، وإن سكتوا عن الأمرين احتمل أن يكون الخمر ما يعتصر من العنب خاصة، واحتمل غيره، فلم نتحكم عليهم ونقول: لغتكم هذه. وقد اختلف أهل اللغة في اشتقاق اسم الخمر على ألفاظ قريبة المعاني متداخلة كلها موجودة المعنى في الخمر. فقال بعضهم: سميت خمرًا؛ لأنها تخمر العقل، أي: تغطيه وتستره، وكل شيء غطى شيئًا فقد خمره؛ ومنه حديث أبي حميد